حقائق تنسف مخطط الاحتلال القضاء على حماس والمقاومة في غزة

تبرز سلسلة حقائق تنسف مخطط الاحتلال الإسرائيلي المعلن بشأن القضاء على حركة “حماس” والمقاومة الفلسطينية في غزة وذلك بعد نحو عام ونصف من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية وارتكاب جرائم حرب مرتكبة الأركان.
ويقول حلمي الأسمر وهو صحافي وكاتب من الأردن إنه بعيداً من الاعتقاد الراسخ لدى جميع من له علاقة (ولو طفيفة) بالصراع العربي والإسلامي – الإسرائيلي أن من المستحيل أن تُهزم حماس فكرةً، فإن هذا المستحيل ينسحب على إمكان هزيمتها تنظيماً وحركةَ مقاومة، وهذه فرضية تبدو للوهلة الأولى من أشكال التعسّف غير المنطقي.
ويوضح الأسمر أنه يمكن أن نسوق جملة من “الحقائق” التي لا يريد أن يصدقّها لا الاحتلال الإسرائيلي ولا من يدعمه ويشدّ على يديه، ويمدّه بأسباب الحياة لصناعة موت همجي متوحّش.
أولاها، هناك ما يمكن أن نسمّيه “فجوة ثقافية” بين العقل الجمعي للعدو عموماً والعقل الجمعي العربي والمسلم، ويمكن اختصار هذه المعادلة بكلمات بسيطة، هناك فرق بين “يقتل ليعيش” ومن “يعيش ليقتل”.
بكلام آخر، العدو يمارس عدوانه بالقتل ليعيش على دم ضحيته، كما يتغذّى الخُفّاش، أمّا “حماس”، وما تمثّله من فكر وعقيدة، فتقاتل دفاعاً عن نفسها وعن وطنها طمعاً في نصر في الأرض وشهادة في السماء، وهي ميزة لا تتوفر لعدوّها، ولا يوجد في قاموسها غير هذَين الخيارَين.
طبعاً هناك حزمة من الأكاذيب التي تحرّك العدو اليميني الصهيوني، يعرف في قرارة نفسه أنها محض ذرائع للسيطرة على شعب آخر ومحاولة إبادته، والاستحواذ على أرضه.
وفي ما يتعلّق بخيارَي “حماس”، فتلك “عقبة” يعلم العدو أنه لا يمكن تجاوزها، حتى ولو بقي فلسطيني واحد، إن محاولة القضاء على “حماس” بما تشكّله من “كود” للمقاومة، تساوي محاولة القضاء على جُلّ (وربّما كلّ) الشعب الفلسطيني.
فما حصل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023) أحيا فكرة المقاومة والاستشهاد على نحو ممتدّ في العقل الجمعي الشعبي الفلسطيني والعربي والمسلم، وجلبت لصالحها أعداداً لا حصر لها من أبناء الشعب الفلسطيني وبقية شعوب العالم الإسلامي.
بمعنى آخر، على الصهاينة ومن خلفهم أن يعلنوا الحرب على أمّة كاملة، وينتصروا عليها، كي يكون بوسعهم إعلان انتصارهم على “حماس”، فهذه الحركة لم تعد مجرّد تنظيم فلسطيني.
بل امتدّت “عقيدتها” القتالية لتصبح هواءً تتنفسه الملايين، وتختنق إن توقّفت عن تنفسه، ما حصل أن “مسّاً” كهربائياً حمساوياً أصاب العصب الحسّاس لهذه الملايين، وما تلك الهتافات التي نسمعها بين حين وآخر من حناجر آلاف من العرب والمسلمين “كلّنا حماس” إلا الوصف المباشر “الفظّ” لما نقول.
ثاني هذه الحقائق الصارخة والواضحة، أن الاحتلال الإسرائيلي قتل وجرح من أبناء غزّة تحديداً ما يزيد عن المائة ألف، بين شهيد فعلاً، ومفقود أو معاق فقد عينه أو قدمه أو يده، لكلٍّ منهم على الأقلّ خمسة من أقاربه أو أحبابه أقسموا سرّاً وعلانية أن ينتقموا ممّن فجعهم بأحبابهم.
وبلغة الأرقام، هناك خمسمائة ألف مشروع شهيد ينتظرون الفرصة للانتقام من القاتل، ومثلهم أضعاف مضاعفة في أصقاع الدنيا يتحرّقون شوقاً لملاقاة العدو، والقفز عن الحواجز المصطنعة كلّها، التي تحول دونهم ودون ما يُشفي غليلهم، إن كلّ شهيد هو بمثابة بذرة في سنبلة بها مائة حبّة، وتخيّل كم طنّاً من “القمح” تنتج هذه السنابل كلّها حين تزرعها في الأرض التي باتت مهيأةً لاحتضانها! فعن أي نصر يتحدّثون؟.
الحقيقة الثالثة، وربّما أكثرها إيلاماً، أن مائة عام من الخديعة انتهت فجأة، ولو أنفق العرب والمسلمون مليارات الدولارات لكشف تلك الخديعة لما استطاعوا إنجاز هذه المهمة، التي كادت أن تكون مستحيلةً.
أي على وجه التعيين، ما كان يروّجه النظام العربي الرسمي عقوداً أنه “عدو” لإسرائيل ومشروعها، ليكتشف “الجمهور” المخدوع أن كلّ ما قيل كان مجرّد أكاذيب، فلم يعد الطفل العربي يصدّق شيئاً ممّا سمعه وتعلّمه في المدارس.
وهذا يعني بلغة العقل الجمعي وتغيراته أن “حماس” ومن معها ممّن “بارز” العدو، وسجلّ انتصاراً لا لبس فيه عليه، هم الأكثر تعبيراً عن الحقيقة، التي حاول بيعها النظام العربي الرسمي بوصفها جزءاً من مهمّته، وليكتشف أن مهمّته الحقيقية كانت حماية هذا العدو، وإمداده بأسباب الحياة.
وهذا المنجز لم يكن ليتم إلا بالثمن الذي دفعته “حماس” وحاضنتها الشعبية، في مواجهة الغزو الهمجي الذي تقوده “إسرائيل” رأسَ حربةٍ لعدوّ غربي استعماري عريض تنضوي تحت رايته دول كبرى و”هلافيت” أيضاً.
وسيكون لهذا المنجز تأثير عميق في إحاطة “حماس” تنظيماً وفكرةً وعقيدةً بطوق من الحماية يستحيل هدمه أو النيل منه تحت أيّ ظرف كان.
رابعة هذه الحقائق أن “مظلومية” المقاومة، و”حماس” في مقدّمتها، غدت واقعاً معاشاً في العقل الجمعي الغربي، بعدما سوّق العدو تلك المقاومة فعلاً “إرهابياً” وعدوانياً، فقد أظهرت المعركة التي تديرها “حماس” من المُعتدي ومن المُعتدى عليه.
وهذا التغير العميق في المخيال الغربي الذي احتضن “إسرائيل” ستكون له مفاعيل جذرية في التحلّل من هذا الاحتضان لصالح “حماس” والمقاومة.
وهو أيضاً يشكّل سياجاً إضافياً لحماية “حماس” والمقاومة عموماً، وسيظهر أثر هذا الأمر أكثر حين يتوجّه الجيل الجديد من الغربيين إلى صناديق الاقتراع لاختيار قادة شعوبهم في المستقبلين القريب والبعيد.
وختم الأسمر “لكلّ ما تقدّم علاقة برؤيتنا للمفاعيل “الأرضية” التي تدير حركة الحياة والموت، والنصر والهزيمة، وثمّة مفاعيل “سماوية” وقوانين إلهية لم نتحدّث عنها هنا، يعلمها كلّ من قرأ القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهّرة.
وحجر الزاوية في هذه المفاعيل المعادلة الربانية التي تقول “إن تنصروا الله ينصركم” بعيداً من موازين القوى وقوانين الأرض كلّها، فكيف حين تلتقي مفاعيل الأرض بمفاعيل السماء، وتصبّ في اتجاه استحالة هزيمة هذه الكوكبة من الرجال الأطهار الأخيار؟.
هذا كلّه ولم نتحدّث عمّا أصاب العدو من دمار ذاتي وتحلّل داخلي، نتيجة فشله في تحقيق أهداف عدوانه أولاً، ونتيجة فشله الأكبر أيضاً في “ردّ” الصفعة التي أدمت خدّه في هجوم طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر 2023.