معالجات اخبارية

العام الدراسي بلا كتب.. سلطة رام الله تعجز عن توفير أبسط مستلزمات التعليم

دخل العام الدراسي في الضفة الغربية المحتلة أسبوعه الثالث، فيما لا تزال كتب مدرسية غائبة عن أيدي طلبة في عدد من المدارس، في أزمة تكشف خللاً في واحدة من أبسط المهام التي يفترض أن تضطلع بها المؤسسات التعليمية، وتعيد فتح الأسئلة حول قدرة سلطة رام الله ووزاراتها الخدماتية على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين.

وأثارت أزمة نقص الكتب انتقادات حادة، بعدما بدأ نحو 846 ألف طالب وطالبة عامهم الدراسي 2026-2027 في مدارس الضفة الغربية في السادس من سبتمبر/أيلول، فيما كانت وزارة التربية والتعليم العالي قد أعلنت قبل بدء العام أن عملية طباعة الكتب المدرسية وتوزيعها لا تزال قيد الاستكمال، إلى جانب إعداد أوراق عمل ومواد تعليمية مساندة.

وأكد الباحث السياسي خالد فحل، أن استمرار غياب الكتب بعد دخول العام الدراسي أسبوعه الثالث لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تأخير بسيط في التوريد أو التوزيع، مشيراً إلى أن الكتاب المدرسي يمثل إحدى الأدوات الأساسية للعملية التعليمية، وأن غيابه يؤثر مباشرة في قدرة المعلم والمدرسة على الالتزام بالخطة الدراسية منذ بداية العام.

وحمّل فحل الجهات المسؤولة مسؤولية تقديم إجابات واضحة بشأن أسباب التأخير، متسائلاً: لماذا تأخرت الكتب؟ وأين وصلت عملية الطباعة والتوريد؟ وما المواد والصفوف التي ما زالت تعاني نقصاً؟ ومتى سيتمكن كل طالب من الحصول على كتبه كاملة؟ وقال إن هذه الأسئلة لا تمثل ترفاً إدارياً، وإنما تتصل بحق المجتمع في معرفة ما يجري في قطاع التعليم.

وأوضح أن غياب الكتب يدفع المعلمين والمدارس إلى البحث عن بدائل مؤقتة، من خلال تصوير الصفحات، وإعداد أوراق العمل، وإرسال المواد إلكترونياً، والبحث عن نسخ متاحة، فيما يفترض أن يذهب هذا الجهد إلى تحسين العملية التعليمية ومتابعة الطلبة بدلاً من تعويض نقص في مستلزمات أساسية.

وحذر فحل من أن استمرار الأزمة قد يزيد الفوارق بين الطلبة، لأن بعض الأسر تستطيع تحمل تكاليف التصوير أو تأمين نسخ بديلة، بينما يبقى طلبة آخرون مرتبطين بما توفره المدرسة. وبذلك لا يتحول غياب الكتاب إلى مشكلة تعليمية فقط، بل إلى عامل إضافي يمكن أن يوسع الفجوة بين الأسر وفق قدرتها الاقتصادية.

فشل مستمر للسلطة الفلسطينية

تكتسب الأزمة بعداً قانونياً أيضاً، إذ ينص قانون التربية والتعليم العام الفلسطيني على أن توزع الوزارة الكتب المدرسية المقررة مجاناً على جميع الطلبة في المؤسسات التعليمية الحكومية في بداية كل فصل دراسي، مع استثناء الكتب المقررة للغات الأجنبية من مجانية التوزيع. ويجعل ذلك وصول الكتب في بداية الفصل جزءاً من المسؤولية المعلنة لوزارة التربية، وليس خدمة إضافية يمكن تأجيلها بلا تفسير.

وتكشف سجلات وزارة المالية أن عملية الطباعة والتوريد نفسها كانت لا تزال مرتبطة بإجراءات مناقصات وإحالات خلال سبتمبر/أيلول.

فقد أُعلن في 8 سبتمبر عن طرح عطاء لطباعة وتوريد كتب الفصل الأول للعام الدراسي 2026-2027 للصفوف من السابع إلى الحادي عشر في المحافظات الشمالية والقدس، فيما ظهرت في 21 سبتمبر إجراءات مرتبطة بالعطاء، وأُعلنت إحالة مبدئية في 22 سبتمبر.

كما كانت مناقصة أخرى للصفوف من الخامس إلى الحادي عشر قد طرحت في أغسطس وأُحيلت مبدئياً في 31 أغسطس.

وتثير هذه التواريخ سؤالاً إدارياً مباشراً حول توقيت التخطيط للطباعة والتوريد، خصوصاً أن العام الدراسي بدأ في السادس من سبتمبر. ولا تعني إجراءات المناقصات والإحالة وحدها إثبات سبب النقص في كل مدرسة أو كل صف، لكنها تظهر أن جزءاً من عملية توفير الكتب كان لا يزال جارياً مع بدء العام الدراسي وبعده.

وتقر وزارة التربية نفسها بأن نقص الكتب، يفترض أن يكون نادراً جداً، وتقول في أسئلة وأجوبة منشورة على موقعها إن النقص يعالج بالاستعانة بالنسخ الإلكترونية الموجودة على موقع مركز المناهج، فيما يتم توزيع الكتب على المدارس وفق جدول زمني تضعه المديريات، ثم توزع على الطلبة في بداية العام.

وتضع هذه المعطيات الوزارة أمام اختبار واضح: إذا كان توزيع الكتب مقرراً في بداية الفصل، وإذا كان النقص يفترض أن يكون نادراً، فلماذا بدأ العام الدراسي فيما كانت عملية الطباعة والتوريد والتوزيع لا تزال مستمرة لبعض الكتب؟

وتأتي أزمة الكتب في سياق مالي وإداري أصعب تواجهه سلطة رام الله، وهو ما اعترف به رئيس الوزراء السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتية في تصريحات حديثة، تحدث فيها عن عجز السلطة عن الوقوف إلى جانب المواطن الفلسطيني في مجالات الدعم والإسناد، وعن عدم قدرتها على الوفاء باستحقاقات موظفيها كاملة.

وأقر اشتية حديثا بأن السلطة أصبحت عالة على المواطن، وإن “روح التعاضد” الشعبية أصبحت عاملاً أساسياً في إسناد الفلسطينيين في ظل تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على القيام بواجباتها.

وتكشف أزمة الكتب، في المقابل، عن جانب يومي مباشر من الأزمة، لأن الطالب لا ينتظر مشروعاً سياسياً أو خطة اقتصادية بعيدة المدى، وإنما ينتظر كتاباً يفترض أن يكون على مقعده منذ اليوم الأول. ومع غيابه يتحول المعلم إلى حلقة تعويض، وتتحول الأسرة إلى ممول لبدائل يفترض أن توفرها المدرسة، فيما تتحمل المؤسسات التعليمية آثار التأخير.

وتطرح الأزمة بذلك سؤالاً يتجاوز الكتاب المدرسي نفسه: إذا كانت السلطة تعجز عن توفير واحدة من أبسط أدوات العملية التعليمية في موعدها، فكيف يمكنها إقناع المواطن بأنها قادرة على إدارة منظومة خدمات عامة أكثر تعقيداً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى