تحليلات واراء

أزمة انعدام مصداقية تهيمن على خطاب قيادات فتح وسلطة رام الله

أبرز الباحث إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، هيمنة أزمة انعدام مصداقية على خطاب قيادات حركة فتح وسلطة رام الله في المنتديات الغربية على خلفية انتقادات تتعلق بالحوكمة والفساد وأداء المؤسسات الفلسطينية.

وكان فريحات يعلق على الجدل الذي أثاره رئيس الوزراء السابق في سلطة رام الله وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، محمد اشتية، خلال مشاركته في مناظرة له بجامعة أكسفورد، بأن الرئيس السوري أحمد الشرع “ينام في السرير نفسه مع الأميركيين والإسرائيليين. ومع ذلك يتوغّل الإسرائيليون في قلب سورية ويحتلون شرم الشيخ”، ما أثار انتقادات واسعة، وتحديداً في أوساط السوريين.

وقال فريحات إن اشتية وقع في ثلاثة أخطاء أساسية أضعفت الحجة السياسية التي كان يحاول تقديمها.

ويتعلق الخطأ الأول بالدقة، ففي معرض حديثه أشار إلى شرم الشيخ، بينما المقصود في السياق جبل الشيخ. وقد يبدو الأمر زلّة لسان عابرة، لكنه عندما يصدر في مناظرة دولية عن مسؤول فلسطيني سابق وقيادي حالي في حركة فتح، وفي سياق حديث شديد الحساسية عن الاحتلال الإسرائيلي الأراضي السورية، تصبح الدقة أكثر أهمية.

أما الخطأ الثاني فهو لغوي وسياسي في آن. التعبير الإنجليزي الشائع هو in bed with، ويُستخدم مجازياً للإشارة إلى علاقة وثيقة أو تحالف مصلحي، وغالباً ما يحمل دلالة سلبية توحي بالتواطؤ أو بعلاقة سياسية غير سليمة.

كما أن القول إن شخصاً sleeps in the same bed with فإنه ينتقل بالتعبير من المصطلح السياسي المجازي المألوف إلى صورة أكثر مباشرة وفجاجة، وقد تفتح الباب أمام إيحاءات، جنسية مثلاً، لم تكن بالضرورة مقصودة، ولكن المسألة لا تتوقف عند الخطأ في استخدام تعبير إنجليزي، فالمشكلة الأعمق تكمن في غياب الحساسية الثقافية اللازمة عند نقل مثل هذه الاستعارات إلى سياق عربي.

وحتى لو كان التعبير الأصلي in bed with مألوفاً في الخطاب السياسي الإنجليزي، ولا يُفهم عادة بالمعنى الجنسي الحرفي، فإن استخدام صورة “النوم في السرير نفسه” بحق رئيس دولة عربية يحمل في الثقافة العربية وقْعاً مختلفاً تماماً.

وقد رأى سوريون كثيرون فيه إساءة إلى رئيسهم وإلى كرامتهم الوطنية، بصرف النظر عن موقفهم من سياسات الرئيس الشرع نفسها. وكان يُفترض باشتية، وهو العارف بالثقافتين العربية والغربية، أن يكون أكثر إدراكاً لهذه الفوارق، خصوصاً أنه مسؤول رسمي (في حركة فتح الحاكمة) ولا يتحدّث بصفة مواطن عادي.

ويتجاوز الخطأ الثالث، وهو الأهم، اللغة إلى حدود المسؤولية السياسية. ليس من مهمة مسؤول فلسطيني أن يحدد للرئيس السوري أين “ينام” ومع من. تقييم سياسات الرئيس السوري ومحاسبته وتحديد مستقبل النظام السياسي السوري، أولاً وأخيراً، مسؤولية السوريين أنفسهم.

فقد دفع الشعب السوري أثماناً هائلة خلال سنوات طويلة من الحرب والصراع، ومن حقه أن يمتلك المساحة اللازمة لتقرير مستقبله ومساءلة قيادته، وفق مصالحه الوطنية.

وثمّة بعد آخر كان يستحق أن يكون حاضراً في حسابات اشتية، يتعلق بإرث حركة فتح نفسها في علاقاتها العربية، فضلا عن المشكلة الأكثر حساسية بأن ثمن تصريحات المسؤولين قد لا يدفعونه أنفسهم… هناك لاجئون فلسطينيون يعيشون في سورية، وقد عانوا، مثل السوريين، سنوات قاسية من الحرب والتهجير والفقد.

تخبط أولويات قيادة السلطة الفلسطينية

اعتبر فريحات أن القضية أكبر من تصريح في أكسفورد، إذ تقودنا هذه الحادثة إلى سؤال أوسع يتعلق بأولويات قيادة السلطة الفلسطينية، وأين تقع مثل هذه الأنشطة في سلم أولويات مسؤولياتها.

وقال إن حركة فتح تمرّ منذ سنوات بأزمة داخلية عميقة تتعلق بدورها وتنظيمها وعلاقتها بالمجتمع الفلسطيني وقدرتها على تجديد قيادتها وخطابها. ولا تخصّ هذه الأزمة الحركة وحدها، لأن حركة فتح لعبت تاريخياً دوراً مركزياً في المشروع الوطني الفلسطيني، وبالتالي يترك تراجعها آثاره على النظام السياسي الفلسطيني وعلى القضية الوطنية برمتها.

وأضاف “من هنا، يتحمّل أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح المنتخبون، محمد اشتية وزملاؤه، مسؤولية أساسية في إصلاح الحركة، وتجديد مؤسساتها، وإعادة بناء صلتها بالمجتمع الفلسطيني”.

وتابع “أما مخاطبة الجمهور الغربي، فهناك جيل فلسطيني شاب، كثير منه تخرّج في أفضل الجامعات الغربية ويتقن لغاتها وأدوات خطابها، وأثبت قدرة استثنائية على الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل الجامعات والمجتمعات الغربية. وطلبة فلسطين في أكسفورد وغيرها خير مثال على ذلك، فالمطلوب ليس انسحاب القيادات من العالم، وإنما إعادة ترتيب الأولويات”.

وشدد فريحات على أهمية المساءلة داخل حركة فتح نفسها “فمن حقّ أعضاء المؤتمر العام للحركة الذين انتخبوا قيادتهم أن يسألوا أعضاء اللجنة المركزية، وليس اشتية وحده: ماذا أنجزتم منذ انتخابكم؟ ماذا فعلتم لإصلاح الحركة؟ كيف أعدتم بناء علاقتها بجمهورها؟ وكيف أسهمتم في حماية المشروع الوطني الفلسطيني في واحدة من أصعب مراحله؟ فلا توجد مؤسسة سياسية تستطيع أن تتجدد من دون مساءلة، ولا قيادة تستطيع أن تحتفظ بشرعيتها إلى ما لا نهاية من دون إنجاز”.

وأضاف قائلا “هناك أيضاً حقيقة أخرى، يصعب تجاهلها، وهي أن الخطاب الفلسطيني الرسمي الصادر عن القيادات الرسمية في بعض المنتديات الغربية يواجه مشكلة مصداقية لدى قطاعات من الجمهور والناشطين والباحثين، حيث توجد تصورات وانتقادات متداولة تتعلق بالحوكمة والفساد وأداء المؤسسات الفلسطينية”.

وختم بأن “الطريق الأكثر تأثيراً أمام قيادة حركة فتح والسلطة ليس تحسين الخطاب الخارجي وحده، وإنما إجراء إصلاحات داخلية حقيقية يمكن للمواطن الفلسطيني أن يلمسها، فالمصداقية في أكسفورد تبدأ، في نهاية المطاف، من رام الله ونابلس والخليل وجنين وغزّة، لا من منصة المناظرة نفسها”.

وتابع “الأهم من الإصلاح المؤسّسي إعادة بناء الشرعية من الحاضنة الوطنية نفسها: الشعب الفلسطيني. ذلك أنه حين يقف المسؤول الفلسطيني إلى جانب المزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه أو قطف محصوله بسبب اعتداءات المستوطنين، وحين يقف إلى جانب صاحب الأرض المهدّدة بالمصادرة والتوسّع الاستيطاني، وحين يشعر المواطن بأن مؤسّساته وقيادته موجودة للدفاع عنه وعن حقوقه وكرامته، تتشكّل شرعية سياسية لا تستطيع أفضل حملات العلاقات العامة في العالم صناعتها”.

وأكد أنه الأجدى بقيادات السلطة اليوم ألا تنشغل كثيراً بأخبار الرؤساء العرب أين ينامون ومع مَن، بل أن تعيد بناء البيت الفلسطيني نفسه، فإذا أصبح هذا البيت أكثر وحدة ونزاهة وشرعية وقدرة على حماية مواطنيه، فإن صوته سيصل إلى أكسفورد وإلى أبعد منها من دون استعارات جارحة، ومن دون التدخل في الشؤون الداخلية لأحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى