الإمارات تموّل والاحتلال يحرس.. مشروع “رفح الخضراء” يخدم الأجندة الإسرائيلية

تضع الإمارات قدمًا جديدة داخل قطاع غزة عبر مشروع سكني مثير للجدل في شرق رفح جنوب قطاع غزة، في خطوة تتجاوز مجرد تمويل إعادة الإعمار إلى المشاركة في إنشاء تجمع سكني داخل منطقة تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وبموافقة وتنسيق مباشر مع جيش الاحتلال، بينما دخل مقاولون مصريون إلى الموقع لإجراء أعمال المسح والقياسات الهندسية تمهيدًا لتنفيذ البنية التحتية.
وأفادت تقارير إسرائيلية بوصول مقاولين مصريين قبل يومين، إلى منطقة شرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، حيث أجروا على مدار عدة ساعات أعمال قياس ومسح هندسي استعدادًا لبدء أعمال البنية التحتية لمشروع “رفح الخضراء”، الذي تموله وتديره الإمارات ويستهدف، وفق التصور المعلن، إسكان عشرات الآلاف من سكان القطاع.
وجاء دخول المقاولين إلى المنطقة الواقعة داخل “الخط الأصفر” بموافقة وتنسيق مع قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، وبرفقة قوات إسرائيلية وتحت مراقبة جوية، في مشهد يعكس طبيعة المشروع والمكان الذي يجري فيه تنفيذه.
وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، وافق المستوى السياسي الإسرائيلي على الدفع قدمًا بمشروع “رفح الخضراء”، رغم تصريحات سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس بأن إعادة إعمار القطاع لن تبدأ قبل نزع سلاح المقاومة.
وتشير التقارير إلى أن المشروع يستهدف إقامة تجمع لعشرات الآلاف من الفلسطينيين في منطقة تخضع لسيطرة الاحتلال، على أن تكون تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات. وتشمل المرحلة الأولى أعمال تسوية وتجهيز للأرض، وإنشاء أو تمديد شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن الفلسطينيين الموجودين داخل “الخط الأصفر”؟ وهل سيكون هذا التجمع السكني مخصصًا للنازحين الموجودين في مناطق السيطرة الإسرائيلية، أم أنه سيصبح جزءًا من ترتيبات جديدة لإعادة توزيع السكان داخل قطاع غزة؟.
وتزداد أهمية السؤال مع حقيقة أن المشروع لا يجري في منطقة مفتوحة أو مستقلة عن الترتيبات العسكرية الإسرائيلية، وإنما في شرق رفح، داخل منطقة تخضع لإجراءات أمنية إسرائيلية مشددة، وتحت حماية ومراقبة جيش الاحتلال خلال دخول الفرق الهندسية وتنفيذ أعمالها.
على جانبي حدود مصر
يأتي ذلك بالتزامن مع واقع عسكري وأمني شديد الحساسية في محيط رفح، حيث تطرح تساؤلات بشأن الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق القريبة من الحدود المصرية، وما يرتبط بذلك من ترتيبات أمنية ومحور فيلادلفيا ومعبر رفح.
ويقع المشروع الإماراتي في شرق رفح بالقرب من محور فيلادلفيا ومعبر رفح، وفي منطقة تعرضت لدمار واسع خلال العمليات الإسرائيلية في المدينة، ما يجعل اختيار الموقع ذا أبعاد تتجاوز الجانب العمراني إلى الجغرافيا الأمنية والسياسية للمنطقة.
ويكتسب الأمر أهمية إضافية في ظل التقارب المتزايد بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، والذي شهد في الأيام الأخيرة زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي ولقاءه الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، في وقت جاء فيه التحرك الميداني للمقاولين المصريين بعد هذه الزيارة بفترة قصيرة.
وتضع هذه التطورات الإمارات في موقع بارز ضمن ترتيبات إعادة الإعمار الجارية في جنوب قطاع غزة، باعتبارها الجهة التي تمول وتدير المشروع، بينما تتحكم إسرائيل في الوصول إلى المنطقة وتوفر الإشراف والحماية الأمنية لأعمال التنفيذ.
وبذلك لا تبدو المسألة مجرد مشروع إسكان للنازحين، بل ترتبط أيضًا بالسؤال الأكبر حول شكل المناطق التي ستقام فيها عمليات إعادة الإعمار، ومن يسيطر عليها، ومن يحدد هوية سكانها، ومن يملك قرار إدارتها وأمنها.
اتفاقية فيلادلفيا
تربط مصادر مصرية بين المشروع الإماراتي والواقع العسكري الإسرائيلي في محيط رفح، وترى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في المنطقة، بالتوازي مع إقامة مشروع سكني ممول إماراتيًا داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية، يفتح أسئلة مباشرة بشأن مستقبل محور فيلادلفيا والمنطقة الحدودية.
وتطرح المصادر المصرية احتمالين أمام هذه التطورات: أولهما أن تكون التحركات الجارية جزءًا من ترتيبات وتنسيق أمني بين مصر ودولة الاحتلال، والثاني أن تكون تحركات إسرائيلية أحادية الجانب تتجاوز التفاهمات القائمة، بما يثير تساؤلات بشأن الموقف المصري من استمرار الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة.
ويبرز السؤال الأهم بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الجهات المصرية والإماراتية في هذه الترتيبات: هل يقتصر الأمر على تنفيذ مشروع إغاثي وسكني للنازحين، أم أن المشروع يمكن أن يتحول إلى جزء من واقع جغرافي وأمني جديد يجري تثبيته في جنوب القطاع؟
وتزداد حساسية السؤال مع الحديث عن إخضاع سكان التجمع لفحوص أمنية للتأكد من عدم ارتباطهم بفصائل المقاومة، وهو ما يضع البعد الأمني في صلب تصميم المشروع منذ بدايته، وليس مجرد إجراء لاحق مرتبط بعملية الإعمار.
الإمارات تضع قدمًا جديدة
لا تزال هوية المقاولين المصريين الذين دخلوا إلى رفح لتنفيذ المشروع غير معلنة، بينما تشير التقارير إلى أن التنفيذ يرتبط بشركات مصرية تعمل في المشروع بتمويل وإدارة إماراتية.
ويعني دخول مقاولين مصريين إلى منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية أن المشروع بات يجمع ثلاثة أطراف في معادلة واحدة: تمويل وإدارة إماراتية، وتنفيذ مصري، وموافقة وحماية إسرائيلية.
وتضع هذه المعادلة الإمارات في موقع متقدم داخل ترتيبات إعادة الإعمار في جنوب قطاع غزة، خصوصًا أن المشروع لم يعد مجرد خطة مطروحة على الورق، بل انتقل إلى مرحلة المسح والقياسات الهندسية على الأرض.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن المشروع باعتباره مجمعًا سكنيًا ممولًا إماراتيًا قرب رفح، مع تصور لإسكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين النازحين. كما أشارت تقارير لاحقة إلى موافقة إسرائيلية على تنفيذ أعمال البنية الأساسية للمشروع.
وفي ظل هذه التطورات، تطرح أوساط مصرية تساؤلات بشأن المخاطر الأمنية والقومية المرتبطة بمشاركة مقاولين مصريين في مشروع يقع داخل منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وبشأن طبيعة الترتيبات التي تقف وراء دخولهم، والجهات التي وافقت عليه، والضمانات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل “رفح الخضراء” مشروع لإيواء النازحين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، أم أنه جزء من ترتيبات أوسع لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والأمنية في جنوب قطاع غزة تحت واقع تفرضه السيطرة الإسرائيلية، بينما تتولى الإمارات التمويل والإدارة ويشارك المقاولون المصريون في التنفيذ؟.





