تحليلات واراء

حكومة مصطفى تسجل أسرع تعميق للدين العام والعجز رغم تحسن المساعدات الخارجية

تكشف أرقام المالية العامة الفلسطينية عن مفارقة لافتة خلال فترة حكومة محمد مصطفى، إذ تزامن تحسن ملموس في حجم المساعدات الخارجية المقدمة للموازنة مع استمرار اتساع فجوة العجز وتسارع تراكم الدين العام، بما يضع المالية الفلسطينية أمام مسار أكثر تعقيداً رغم عودة جزء مهم من الدعم الدولي مقارنة بالسنوات السابقة.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن قيمة المساعدات الخارجية الموجهة للموازنة العامة لسلطة رام الله بلغت نحو 2.74 مليار شيكل مع نهاية عام 2025، مقابل نحو 2.51 مليار شيكل في عام 2024، أي ما مجموعه نحو 5.25 مليار شيكل خلال عامين، بما يعادل قرابة 1.75 مليار دولار.

ويعني ذلك أن حكومة محمد مصطفى حصلت خلال عامين فقط على مساعدات تفوق بأضعاف ما كانت تحصل عليه الحكومات الفلسطينية في سنوات سابقة.

وتزداد أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بالفترة التي سبقت حكومة محمد مصطفى. فقد بلغت المساعدات الخارجية للموازنة نحو 496 مليون دولار عام 2019، ثم تراجعت إلى 346 مليون دولار عام 2020، و189 مليوناً عام 2021، قبل أن ترتفع إلى 240 مليوناً عام 2022 ونحو 295 مليون دولار عام 2023.

وبذلك لم يكن تراجع المساعدات الخارجية هو العامل الذي يفسر وحده استمرار الأزمة المالية خلال الفترة الأخيرة، إذ شهدت قيمة الدعم قفزة كبيرة بعد عام 2023.

التمويل الخارجي للموازنة الفلسطينية

تؤكد بيانات أممية أن التمويل الخارجي للموازنة الفلسطينية ارتفع من نحو 345 مليون دولار في عام 2023 إلى نحو 770 مليون دولار في 2024، ليرتفع نصيبه من تمويل النفقات والإقراض الصافي من 7 إلى 16 في المئة.

ومع ذلك، ظل هذا الدعم أقل من حجم الفجوة المالية المتراكمة، في وقت اضطرت فيه سلطة رام الله إلى زيادة الاقتراض المحلي وتراكم المتأخرات.

لكن المفارقة الأبرز تظهر في الجانب الآخر من المعادلة، حيث لم يؤد ارتفاع المساعدات إلى وقف مسار تعميق الدين العام. فقد ارتفع إجمالي الدين العام الفلسطيني إلى نحو 4.2 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة بلغت 11.2 في المئة خلال عام واحد، فيما قفز الدين المحلي بنسبة 17.1 في المئة إلى نحو 2.88 مليار دولار.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الدين العام بالشيكل اقترب لاحقاً من مستوى 17 مليار شيكل، بعدما كان في حدود 11 مليار شيكل، بما يعكس اتساعاً سريعاً في الاعتماد على الاقتراض والالتزامات لتغطية احتياجات الحكومة.

وتظهر البيانات الرسمية المنشورة لاحقاً أن الدين الحكومي المركزي ظل عند مستويات مرتفعة خلال 2025 و2026، مع بقاء الاقتراض المحلي مكوناً رئيسياً من الدين العام.

وفي الوقت نفسه، اتسعت الفجوة بين الإيرادات والنفقات. فقد أظهر تقييم البنك الدولي أن العجز المالي الفلسطيني بلغ في عام 2024 نحو 9.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 1.3 مليار دولار، مقارنة بـ3.8 في المئة عام 2023.

وقد ربط البنك الدولي التدهور بانكماش النشاط الاقتصادي، وعدم كفاية المساعدات الخارجية، وزيادة الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة.

وتكشف هذه المعطيات أن زيادة المساعدات لم تتحول إلى استقرار مالي، بل استخدمت في جزء كبير منها لتخفيف آثار فجوة مالية أعمق. فقد ساهمت أموال الدعم في منع تفاقم الأزمة بصورة أكبر، لكنها لم تكن كافية لتعويض تراجع الإيرادات المحلية وأموال المقاصة والارتفاع الكبير في الالتزامات الحكومية.

الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

تبرز هنا مسؤولية الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بالسلطة، وفي مقدمتها الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وتراجع النشاط الاقتصادي، ومنع آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الحدود المحتلة عام 1948 إلى جانب تفشي مظاهر الفساد والإهدار المالي داخل السلطة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن السلطة راكمت ديوناً للموظفين والقطاع الخاص والجهاز المصرفي تجاوزت 4 مليارات دولار، مع زيادة كبيرة في الاقتراض المحلي نتيجة عدم قدرتها على تمويل التزاماتها بصورة كاملة.

لكن ارتفاع الدعم الخارجي يفرض في الوقت نفسه سؤالاً حول قدرة الحكومة على تحويل الأموال المتاحة إلى مسار مستدام لإدارة المالية العامة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم المساعدات التي تصل إلى السلطة، وإنما بالفارق بين الأموال الداخلة والالتزامات المتراكمة، وباستمرار اعتماد الحكومة على الاقتراض والمتأخرات لتغطية العجز.

وتؤكد بيانات أحدث أن المساعدات الخارجية شهدت بالفعل قفزة كبيرة بعد اندلاع حرب الإبادة على غزة، إذ يقدر تحليل حديث أن الدعم الخارجي ارتفع إلى نحو 3 مليارات شيكل في 2024 وأكثر من 3.2 مليار في 2025، بعدما كان يدور حول مليار إلى 1.5 مليار سنوياً خلال السنوات السابقة. كما أن ارتفاع المساعدات خفف بصورة واضحة من حجم العجز النقدي، لكنه لم يلغِ الاختلال المالي.

وتكشف هذه الصورة أن حكومة محمد مصطفى واجهت أزمة مالية مزدوجة: تحسن في تدفق المساعدات الخارجية من جهة، وتسارع في تراكم الدين والعجز والالتزامات من جهة أخرى. وبينما ساعد الدعم الدولي على إبقاء مؤسسات السلطة قادرة على الاستمرار، لم يمنع اتساع الفجوة المالية ولا أوقف الاعتماد المتزايد على الاقتراض.

وبذلك، فإن المفارقة الأساسية في أداء المالية العامة خلال هذه المرحلة تتمثل في أن ارتفاع المساعدات الخارجية لم يترافق مع تراجع مماثل في الدين والعجز، بل جاءت الزيادة في الدعم بالتوازي مع استمرار تعميق الالتزامات العامة.

وهذا يضع حكومة محمد مصطفى أمام اختبار مالي لا يتعلق فقط بقدرتها على جذب الدعم الخارجي، وإنما بقدرتها على وقف نمو الدين وتقليص العجز وتحويل المساعدات من أداة لسد الفجوات المتراكمة إلى جزء من مسار مالي أكثر استدامة فضلا عن تلبية المطلب المتكرر بإنهاء مظاهر الفساد واسعة النطاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى