300 ألف دولار لشحنة دواء.. كيف تستغل “أبناء سيناء” حاجة غزة؟

لم تعد رحلة البضائع من مصر إلى قطاع غزة تقتصر على كلفة الشراء والنقل، بل بات المرور إلى القطاع مرتبطًا برسوم باهظة تُدفع تحت مسمى “التنسيقات”.
وفي قلب هذا المسار يبرز اسم شركة أبناء سيناء للتجارة والمقاولات، التابعة لمجموعة رجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني، وسط إفادات تجار ومصادر تحقيق تتحدث عن دور متزايد للشركة في التحكم بحركة البضائع المتجهة إلى غزة وفرض رسوم مرتفعة على الشحنات.
وبحسب المصادر، وصلت رسوم تنسيق بعض الشحنات إلى عشرات ومئات آلاف الدولارات، فيما بلغت رسوم إدخال شحنة الأدوية الواحدة نحو 300 ألف دولار، وفق إفادة رئيس جمعية النقل الخاص في غزة ناهض شحيبر.
كما أظهرت قائمة أسعار مؤرخة في 22 أبريل/نيسان 2026 رسومًا تبلغ 100 ألف دولار لشحنة الملابس، و50 ألف دولار للسكر، و30 ألف دولار للأرز.
استغلال شركة أبناء سيناء
وكانت شركة أبناء سيناء تؤدي دورًا في نقل وتنسيق البضائع القادمة من مصر إلى غزة عبر معبر رفح، قبل أن تتغير حركة التجارة بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر في مايو/أيار 2024.
لكن، وفق تجار لم ينته دور الشركة بإغلاق المعبر، بل انتقل مسار التنسيق إلى معبر كرم أبو سالم، لتستمر الشركة في إدارة جانب من حركة الشحنات القادمة من مصر إلى القطاع.
وتشير إفادات ومصادر صحفية إلى أن الشركة تتولى عمليات مرتبطة بالنقل والتخزين والتأمين والتنسيق لعبور الشحنات، في مسار يمتد من العريش المصرية إلى المعبر، مع وجود تنسيق مع الجهات المصرية والإسرائيلية المعنية بالعبور.
وهنا تتضح طبيعة الاحتكار، فالتاجر الفلسطيني الذي يريد إدخال بضاعته لا يدفع فقط ثمن السلعة ونقلها، وإنما يواجه تكلفة إضافية مقابل عبورها إلى غزة، بينما يصبح الوصول إلى هذا المسار مرتبطًا بالجهة التي تملك القدرة على تنسيق الشحنة.
والأكثر إثارة في هذه المنظومة هو حجم الرسوم المفروضة على السلع الأساسية، فبحسب ناهض شحيبر، تُدفع 300 ألف دولار عن شحنة الأدوية الواحدة مقابل السماح بإدخالها إلى القطاع.
وأكدت مصادر أخرى الرقم ذاته، مشيرة إلى أن المبلغ يُحتسب على الشحنة، وليس وفق قيمتها أو عدد الأصناف الموجودة فيها.
وهذا يعني أن شحنة دواء تبلغ قيمتها عشرات آلاف الدولارات يمكن أن تصبح رسوم عبورها أضعاف قيمتها الأصلية، وتبلغ رسوم تنسيق الملابس 100 ألف دولار، والمجمدات 90 ألفًا، والخضار المجمدة والمكسرات والقهوة 75 ألفًا، والبيض والمنظفات 70 ألفًا، بينما تصل رسوم الأرز إلى 30 ألف دولار.
ولا تتوقف الرسوم عند البضائع؛ إذ تحدثت إفادات عن دور الشركة أيضًا في نقل وبيع الوقود داخل غزة، ويقول شحيبر إن سعر لتر السولار الذي يُشترى من الاحتلال بنحو 6 شواكل يصل إلى نحو 33 شيكلًا عند بيعه في القطاع عبر هذا المسار.
احتكار يرفع كلفة السوق
وهذا التحكم في بوابة إدخال البضائع لا يعمل بمعزل عن أزمة أوسع في القطاع. فبعد الحرب، حُصرت حركة الاستيراد التجاري إلى غزة في عدد محدود من التجار، وفق إفادات الغرفة التجارية وتجار تحدثوا عن قائمة تضم 13 اسمًا، بعدما كان أكثر من ألفي مستورد يمارسون نشاطهم قبل الحرب.
ومع تضييق عدد القنوات المتاحة أمام التجار، تحولت رسوم التنسيق إلى تكلفة إجبارية تضاف إلى سعر البضاعة قبل وصولها إلى السوق.
وقدرت الغرفة التجارية في غزة إجمالي الأموال المدفوعة في هذا المسار بأكثر من ملياري دولار منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى يوليو/تموز 2026.
وتشير تقارير صحفية إلى أن التجار الفلسطينيين اشتكوا سابقًا من أن آلية إدخال البضائع عبر شركة أبناء سيناء خلقت حالة من الاحتكار وغياب المنافسة.
وفي النهاية، لا تتوقف كلفة هذه الرسوم عند التاجر. فكل مبلغ يُدفع مقابل تنسيق شاحنة يدخل في حساب السعر النهائي للسلعة، من الغذاء والملابس إلى الوقود والدواء.
وهكذا، يجد الغزي نفسه أمام سلسلة من التكاليف تبدأ من سعر السلعة في مصر، مرورًا بالنقل والتأمين، ثم رسوم التنسيق والعبور، وصولًا إلى السوق داخل القطاع.
وفي ظل الحرب والحصار ونقص الإمدادات، تتحول السيطرة على مسار إدخال البضائع إلى عامل مباشر في تحديد ما يصل إلى الأسواق، وبأي كمية، وبأي سعر.





