الاضطهاد والتطهير العرقي.. ملف أخر لمحاسبة نتنياهو على الإبادة الجماعية في غزة
الاضطهاد والتطهير العرقي.. ملف أخر لمحاسبة نتنياهو على الإبادة الجماعية في غزة
كل جريمة إبادة جماعية تشتمل على جريمتين في آن واحد. الأولى والأهم هي الجريمة البيولوجية: الإبادة الكاملة أو الجزئية لمجموعة من المدنيين بوصفهم مجموعة، وهو ما يجرى في حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة.
ولا يقتصر الأمر على القتل الجماعي، بل القتل الجماعي الذي يستهدف جماعة بقصد إخماد قدرة شعب على تشكيل جماعة في المقام الأول. وهذا هو ما أصبحنا نعرفه بالإبادة الجماعية بالمعنى القانوني والعامي.
ولكن إلى جانب كل جريمة قتل، وكل تهجير قسري، تُرتكب جريمة ثانية: جريمة ثقافية. تُحرق المكتبات، وتُدمر المحفوظات؛ وتُهدم القرى، بكل ما تحمله من خصوصيات إقليمية ومحلية، وطعامها وتقاليدها الشعبية؛ ويُقتل المؤرخون والموسيقيون والشعراء والرسامون، وتُقتل معهم ذكرياتهم وإمكاناتهم.
إن دولة الاحتلال الإسرائيلي تنفذ حالياً هاتين الجريمتين المزدوجتين في غزة. فقد قتلت عدداً لا يحصى من المدنيين في قطاع غزة (تقدر مجلة لانسيت الطبية المرموقة أن ما يصل إلى 186 ألف قتيل أو حتى أكثر من ذلك يمكن أن يعزى إلى الحرب الحالية في غزة).
وإلى جانب هذه الجرائم، دمرت "إسرائيل" كل جامعة في غزة، ومحو أجزاء كبيرة من أرشيف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ووزارة الداخلية (من بين أمور أخرى)، ودمرت العديد من المكتبات ودور النشر، ودمرت المسجد العمري الكبير (الذي بني في القرن الخامس، وكان في الأصل كنيسة بيزنطية)، وألحقت الضرر بكنيسة القديس بورفيريوس (التي بنيت في القرن الثاني عشر).
وهذا ليس سوى وصف جزئي للتدمير الذي لحق بالتراث الثقافي المادي في غزة، وليس هناك من سبيل ممكن لإحصاء عدد العوالم التي فقدت مع موتاها.
لكن في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمعاقبة جريمة الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا نجد جريمة الإبادة الثقافية ــ أو حتى فكرة الإبادة الثقافية ــ في أي مكان.
والواقع أن الأفعال المكونة لجريمة الإبادة الجماعية، باستثناء واحد، تشير جميعها إلى التدمير المادي للمجموعة المستهدفة. وهذا على الرغم من الرغبة الأولية التي أبداها رافائيل ليمكين ــ المحامي اليهودي البولندي الذي تصور جريمة الإبادة الجماعية، وصاغ المصطلح، وقاد عملية تدوينها القانوني ــ في إدراج الإبادة الثقافية في الاتفاقية.
ورغم استبعاد جريمة الإبادة الثقافية من اتفاقية الإبادة الجماعية، فهناك طريقة يمكن من خلالها إدانة نتنياهو وغالانت على الجانب الثقافي من الإبادة الجماعية للفلسطينيين ــ جريمة الاضطهاد.
وكما عرَّفها ليمكين في البداية، فإن جريمة الإبادة الجماعية تنقسم إلى "الهمجية"، أو أعمال التدمير المادي أو البيولوجي، و"التخريب" ـ تدمير التراث الثقافي.
ماذا تعني الإبادة الجماعية؟
في الاتفاقية الدولية لمنع الإبادة الجماعية يتم التأكيد أن أي فعل متعمد يرتكب بقصد تدمير لغة أو دين أو ثقافة جماعة قومية أو عرقية أو دينية على أساس الأصل القومي أو العنصري أو المعتقد الديني مثل:- منع استعمال لغة الجماعة في التعامل اليومي أو في المدارس، أو طباعة وتوزيع المطبوعات بلغة الجماعة؛
- تدمير أو منع استعمال المكتبات والمتاحف والمدارس والمعالم التاريخية وأماكن العبادة أو غيرها من المؤسسات والأشياء الثقافية التابعة للجماعات.
هدف الاستبدال
إن الإبادة الجسدية للشعب الفلسطيني هي إحدى وسائل ارتكاب النكبة، ولكنها أيضًا غير كافية لتحقيق هدف دولة الاحتلال الإسرائيلي المتمثل في الاستبدال ما لم تكن كاملة أيضًا. طالما كان هناك وعي وطني فلسطيني، فستكون هناك شهادة حية على زيف التأريخ الصهيوني. وبالتالي، يجب على الصهاينة أيضًا الانخراط في إبادة ثقافية - ليس فقط تشتيت الشعب الفلسطيني ولكن أيضًا تدمير روابطه المادية والثقافية بالأرض وبعضهم البعض. ليس فقط التطهير العرقي ولكن المحو العرقي: تدمير كل من الشعب الفلسطيني والفلسطينيين كشعب، كمجموعة قادرة على المطالبة بتقرير المصير. على عكس عمليات الإبادة الجماعية الأخرى، التي تستهدف مجموعة على وجه التحديد لأنها شعب، فإن المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني والإبادة الجماعية يخدمان إنكار أن الفلسطينيين كانوا شعبًا على الإطلاق. وفي ضوء هذا، فإن تدمير التراث الثقافي الفلسطيني يبرز باعتباره إحدى الوسائل الأساسية التي تسعى بها دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تحقيق نيتها الإبادة الجماعية. ولا يمكن توجيه تهمة التخريب (أو الإبادة الثقافية) إلى غالانت أو نتنياهو، على الرغم من التطابق الواضح بين التهمة وأفعالهما، وذلك لأن مثل هذه التهمة غير موجودة، وذلك بفضل أنصارهما الغربيين إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن الاستخدام المحتمل من جانب المدعي العام لجريمة الاضطهاد لتدمير التراث الثقافي من شأنه أن يعطي تعبيرا، ولو بشكل مخفف، عن شدة هذا التدمير ومكانته ضمن الإبادة الجماعية المستمرة منذ عقود من الزمان للشعب الفلسطيني.


