تحليلات واراء

عار السلطة ومكاسب الاحتلال: قراءة في قرار تصفية القضية الفلسطينية

جاءت موافقة السلطة الفلسطينية على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة لتشكّل لحظة صادمة في سياق تدهور الوضع الوطني الفلسطيني وتكتب فصلا جديدا من عار قيادة السلطة للدفع باتجاه تصفية القضية الوطنية.

ففي الوقت الذي أجمعت فيه الفصائل من دون استثناء على رفض القرار، بوصفه خطوة خطيرة تمهّد لتصفية القضية الفلسطينية، سارعت السلطة إلى الترحيب به، في خطوة بدت أقرب إلى الالتحاق بالموقف الأميركي – الإسرائيلي منها إلى الدفاع عن الحقوق الوطنية.

وهكذا، أضيفت صفحة جديدة إلى سجل التنازلات التي تُقدّم تحت شعار “الشرعية الدولية”، بينما الحقيقة أنّ القرار بكل بنوده يفتح الطريق أمام مشروع تصفية مُمنهج، يهدف إلى إعادة رسم مستقبل غزة وفلسطين بما يخدم الاحتلال وحده.

أول سلبيات القرار تكمن في جوهره فهو يستند إلى خطة ترامب التي طُبخت على نار إسرائيلية صِرفة، وتحوّلت بمرور الوقت إلى مشروع يعيد إنتاج سياسات الضمّ والاستيطان والتجزئة.

وعلق المحلل السياسي من رام الله هاني المصري بأن قرار مجلس الأمن، الذي احتُفي به في بعض الأوساط كأنه “الأفضل الممكن”، ليس إلا إعادة صياغة لصفقة سياسية تُبقي الفلسطينيين في حالة إدارة أزمة دائمة، دون امتلاك أدوات تقرير المصير أو امتلاك السيادة.

وأبرز المصري أن الإيحاء بأن القرار يمكن أن يفتح الطريق نحو دولة فلسطينية ليس سوى وهم سياسي، يدرك من يروّج له أنه يتعارض مع كل ما يريده نتنياهو وترامب؛ فهذان الأخيران سيعملان على دفن أي احتمال لقيام دولة، ما لم يتغيّر الواقع الفلسطيني جذريًا.

خيانة مزدوجة من السلطة الفلسطينية

تأتي موافقة السلطة كخيانة سياسية مزدوجة: خيانة للموقف الوطني الجامع، وخيانة لآلام الشعب الذي يواجه منذ عامين حرباً مفتوحة تهدف إلى محو وجوده في غزة والضفة معاً.

فالسلطة، التي تبرر مواقفها دوماً بضرورات “التنسيق الدولي” و“حماية المؤسسات”، تورطت مرة أخرى في لعب دور يغطي قانونياً وسياسياً على مشروع عدائي يستهدف الحقوق الفلسطينية.

ويؤكد مراقبون أن قبول قرار يُبقي غزة تحت وصاية دولية – أميركية، ويفتح الباب أمام إدارات محلية بلا سيادة، ويحوّل المقاومة إلى جريمة، لا يمكن وصفه إلا بأنه اصطفاف مع سردية الاحتلال، وليس محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فالقرار على الأرض، لا يوقف القرار الاستيطان، ولا يمنع الضمّ الزاحف، ولا يجمّد المشاريع الإسرائيلية التي تُحوّل الضفة إلى كانتونات معزولة. كل ما يقدّمه القرار، في أحسن الأحوال، هو وقف مؤقت للإبادة الميدانية الشاملة التي رأينا فصولها في غزة.

لكنه في الوقت نفسه يسمح باستمرار الإبادة المتدرجة، والتهجير المقنّع الذي يُسوّق تحت عنوان “الطوعي”. القرار لا يُعيق الاحتلال عن تحقيق أهدافه، بل يسهّل عليه الأمر من خلال فرض إطار سياسي دولي يعترف عملياً بالرواية الإسرائيلية حول “حق (إسرائيل) في الدفاع عن نفسها” و“ضرورة نزع سلاح غزة”.

أما اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً فسيتعامل مع القرار باعتباره مرحلة انتقالية، وليس نهاية للصراع.

فدولة الاحتلال بحسب المصري، لن تتخلى عن مشروع “إسرائيل الكبرى”، ولن تتراجع عن خطط تهجير أكبر عدد من الفلسطينيين. كل الإجراءات على الأرض—من توسيع المستوطنات إلى إنشاء مناطق عازلة، ومن التحكم في الموارد إلى تفكيك أي بنية سياسية فلسطينية—تشير إلى أن القرار الأممي ليس سوى محطة على طريق تنفيذ مشروع كامل للهيمنة.

غير أن أخطر ما في الأمر أن هذا المسار ليس قدراً محتوماً. فنجاح المشروع الأميركي – الإسرائيلي مرتبط بضعف الحالة الفلسطينية أكثر مما هو مرتبط بقوة الاحتلال.

هنا تبرز الحاجة إلى قيادة فلسطينية جديدة، موحّدة، مخلصة، ديمقراطية، واقعية ومقاتلة في آنٍ معًا. قيادة تمتلك رؤية وطنية جامعة تقطع مع مسار التنازلات الذي كرسته اتفاقيات أوسلو وما تبعها. قيادة تعرف كيف تتعامل مع الواقع من دون الاستسلام له أو القفز عنه.

فالوحدة الوطنية ليست ترفاً، بل شرط وجود. ومن دونها سيتكرر المشهد ذاتُه بقرارات دولية تُفرض، واحتلال يراكم مكاسب، وسلطة تتصرف كجزء من المنظومة وليس كقائدة لمشروع التحرر.

ويشدد المراقبون على أن المقاومة ليست مجرد خيار عسكري، بل مشروع سياسي وثقافي وقانوني يضمن بقاء الهوية. القرار الأممي يحاول نزع هذه الروح عبر تجريم المقاومة وتصفية قوتها في غزة.

لكن الشعب الذي واجه الإبادة خلال عامين بقوة لا تُقهر، قادر—إذا توفرت له قيادة حقيقية—أن يقلب المعادلة، وأن يحول هذا القرار إلى محطة مواجهة، لا نقطة استسلام.

في المحصلة، فإن قبول السلطة بالقرار ليس مجرد موقف سياسي، بل لحظة سقوط أخلاقي وتاريخي. ومع ذلك، ليست هذه النهاية. المستقبل يُصنع الآن، واللحظة تحتاج إلى مشروع وطني كامل يعيد تعريف الدور الفلسطيني في الصراع، ويدفع العرب والعالم إلى إعادة حساباتهم. فالمعركة لم تنتهِ، لكنها تتطلب عقلًا جديدًا وإرادة جديدة، لا سلطة تُجيد الخضوع بل قيادة تعرف كيف تصنع النصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى