فشل السلطة في ملف نازحي شمال الضفة ينسف ادعاءها الجاهزية لإدارة غزة

تواصل السلطة الفلسطينية الترويج لقدرتها على تولّي إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، في وقت تكشف فيه الوقائع الميدانية فشلًا واضحًا في إدارة أزمة إنسانية متفاقمة، تتمثل في نزوح عشرات الآلاف من سكان مخيمات شمالي الضفة الغربية.
وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة لم يعد مسألة تقدير سياسي، أصبح واقعًا موثقًا بالأرقام والمعاناة اليومية، ويعكس خللًا عميقًا في بنية الإدارة والقدرة على إدارة الأزمات الإنسانية.
فشل السلطة في الضفة
حيث أدّى العدوان الإسرائيلي إلى تهجير نحو 45 ألف مواطن من مخيمات شمالي الضفة الغربية، في مقدمتها مخيم جنين، بعد تدمير واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية، وجعل المخيم غير صالح للحياة.
ورغم مرور شهور طويلة على النزوح، لم تقدّم السلطة أي خطة إغاثية شاملة أو مستدامة، واقتصر تدخلها على مساعدات غذائية محدودة لمرة واحدة، توقفت لاحقًا بشكل كامل، ما ترك آلاف العائلات في مواجهة مباشرة مع الفقر والتشريد وانعدام الاستقرار، في ظل غياب برامج إسكان مؤقت أو دعم إيجارات أو تدخلات اجتماعية منظمة.
ومع تصاعد الأزمة، شهدت مدينة جنين احتجاجات للنازحين عقب قطع الخدمات عنهم في السكنات المؤقتة وتهديدهم بالإخلاء أو تحميلهم أعباء مالية تفوق قدرتهم، في مشهد يعكس تخلي السلطة عن الحد الأدنى من مسؤولياتها تجاه المتضررين.
وتحوّل المخيم أيضًا إلى منطقة مغلقة وفارغة من سكانها، بعد تدمير الطرق وشبكات المياه والكهرباء، ما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي الذي شكّل المخيم على مدار عقود باعتباره مساحة لجوء وهوية جماعية.
نموذج الإعمار المتعثر في غزة
ولا ينفصل هذا الإخفاق عن سجل السلطة الفلسطينية في إدارة ملفات الإعمار، حيث كشفت قضية البرج الإيطالي في مدينة غزة عن خلل مالي وإداري عميق في إدارة السلطة لملفات الإعمار، بعدما توقفت أعمال إعادة البناء لسنوات طويلة رغم إنجاز أكثر من 75% من المشروع، الذي يضم أكثر من 50 وحدة سكنية دُمّرت خلال عدوان عام 2014.
وتوقفت الأعمال نتيجة امتناع وزارة الأشغال العامة في رام الله عن صرف مستحقات مالية متراكمة عن أعمال منفذة فعليًا، رغم تسليمها مستخلصات رسمية تمثل مراحل البناء المنجزة، ما أدى إلى تجميد المشروع وترك عشرات العائلات دون مساكن، وسط احتجاجات متكررة من السكان.
ورغم أن المشروع ظل معلقًا لسنوات بفعل هذا التعطيل، لم يُفتتح البرج إلا بتاريخ 19 تموز/يوليو 2023، بعد مسار طويل من المماطلة، ليصبح نموذجًا واضحًا لإدارة الإعمار البطيئة والمتعثرة، وما رافقها من تعطيل للأموال وتأخير لمعاناة المتضررين.
السلطة وإدارة غزة
وفي ظل سجلها الميداني المتعثر، يبرز التناقض الحاد بين الخطاب السياسي الذي تتبناه السلطة بشأن إدارة قطاع غزة، وقدرتها الفعلية على الأرض في الضفة الغربية، فإدارة يُفترض أن تتعامل مع مليون ونصف نازح وإعادة إعمار واسع ونظام إغاثي متكامل، تبين هشاشتها أمام أزمة نزوح عشرات آلاف المواطنين في مخيمات شمال الضفة.
وفشل الاستجابة لهذه الأزمة، إلى جانب تعثر مشاريع الإعمار القائمة منذ أكثر من عقد، كشف فجوة واسعة بين الادعاء الرسمي والقدرة الفعلية، خاصة في ظل سلسلة قضايا فساد مالي شهدتها السلطة مؤخرًا.
وبدلًا من معالجة هذا الفشل، تستمر السلطة في تسويق نفسها كبديل إداري، بينما تتراكم الأزمات دون حلول، ويتحول النزوح والإعمار إلى ملفات مهملة يدفع ثمنها المواطن وحده، وهو ما يفضح حدود قدرة السلطة على إدارة الأزمات.





