تصاعد المطالب باستقالة حكومة محمد مصطفى يعري الفشل المزمن لسلطة رام الله

تتسع دائرة المطالبات باستقالة حكومة رام الله برئاسة محمد مصطفى، مع تصاعد الانتقادات لأدائها في إدارة الأزمات المتلاحقة التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة، وفي مقدمتها أزمة الوقود، والأزمة المالية، وتراجع الخدمات الأساسية، والعجز عن تقديم حلول عملية للأزمات اليومية فضلا عن تجاهل التداعيات الكارثية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وتصاعدات المطالب باستقالة حكومة مصطفى عقب تفاقم أزمة الوقود التي تشهدها الضفة الغربية منذ أيام متتالية، وأدت إلى إغلاق عدد كبير من محطات المحروقات وامتداد طوابير المركبات أمام المحطات التي استمرت في العمل، في مشهد أعاد إلى الواجهة الانتقادات المتراكمة لأداء الحكومة وقدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية.
وقال نائب رئيس مجلس إدارة الغرف التجارية والصناعية لمحافظة رام الله والبيرة، محمد النبالي، إن “قيادة السلط غائبة ومختفية عن مشاكل الناس والبلد”، معتبراً أن الحكومة “أخذت فرصتها بما فيه الكفاية ولم تجد أي حل لأي مشكلة”، وداعياً إلى وضع استقالتها على طاولة الرئيس.
وتعكس هذه التصريحات تنامي حالة السخط داخل الأوساط الاقتصادية، بعد أشهر من استمرار الأزمة المالية وتراجع القدرة الشرائية وتعثر الأسواق، في وقت يواجه فيه المواطن الفلسطيني أزمات متلاحقة تمس مختلف جوانب حياته اليومية.
فشل السلطة الفلسطينية
كشفت أزمة الوقود هشاشة منظومة أمن الطاقة في الضفة الغربية، في ظل الاعتماد شبه الكامل على الإمدادات القادمة عبر الاحتلال الإسرائيلي، وغياب مخزون استراتيجي قادر على مواجهة أي اضطرابات في التوريد، رغم صدور قرار بقانون رقم 5 لسنة 2023 الذي ينص على إنشاء مخزون يستخدم في حالات الطوارئ.
ورغم إعلان هيئة البترول الفلسطينية دخول نحو ثلاثة ملايين لتر من الوقود إلى السوق خلال الأيام الماضية، فإن الكميات لم تمنع تشكل طوابير طويلة أمام محطات الوقود، حيث نفد بنزين “95 أوكتان” في وقت قصير، فيما شهدت عدة مدن اختناقات مرورية نتيجة الازدحام الكبير على المحطات.
وأكدت الهيئة العامة للبترول استمرار توريد المحروقات بشكل يومي، لكنها عزت الأزمة إلى عوامل متعددة، من بينها المخاوف المرتبطة بالتوترات الإقليمية، إضافة إلى أزمة تكدس الشيكل في المصارف الفلسطينية وعدم قدرة البنوك الإسرائيلية على استيعاب الفائض النقدي.
غير أن هذه التوضيحات لم تنجح، في تهدئة حالة الغضب الشعبي، في ظل اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية، وتكرار الأزمات دون ظهور حلول مستدامة.
ويرى مختصون أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة مباشرة لضعف إدارة قطاع الطاقة، واستمرار الاعتماد على المورد الإسرائيلي، وعدم تنفيذ خطط إنشاء مخزون استراتيجي رغم مرور سنوات على طرحها.
كما ربط آخرون تفاقم الأزمة بالخلافات المتداولة بين السلطة ورجل الأعمال طارق النتشة، صاحب محطات الهدى للمحروقات، وسط تقارير عن شبهات فساد وتضارب مصالح مع مسئولين كبار في سلطة رام الله.
حكومة محمد مصطفى
في خضم الأزمة، أعلنت الحكومة عزمها إنشاء شركة وطنية للمحروقات، وهو قرار أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، بين من اعتبره محاولة لإعادة تنظيم القطاع، ومن رأى أنه يعكس استمرار اللجوء إلى حلول إدارية جديدة دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة.
ورأت رئيسة تحرير صحيفة “الحدث” المحلية، رولا سرحان، أن أزمة الثقة بحكومات السلطة تكرست في الشارع الفلسطيني نتيجة تراكم طويل من التجارب التي لم تتمكن من تقديم حلول جذرية للمشكلات الاقتصادية والإدارية.
وقالت سرحان في مقال لها إن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة اعتمدت على “سياسة التجربة”، بحيث أن الأزمات كانت تُرحّل من مرحلة إلى أخرى دون معالجات حقيقية، فيما تتكرر المبادرات تحت مسميات مختلفة دون نتائج ملموسة على حياة المواطنين.
وأضافت أن إنشاء شركات حكومية جديدة يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على معالجة جذور الأزمات، أم أنها ستتحول إلى أعباء مالية إضافية في ظل استمرار العجز المالي واعتماد السلطة على إيرادات المقاصة التي تظل عرضة للإجراءات الإسرائيلية.
كما حذرت من أن أي توسع في إنشاء الشركات الحكومية قد يؤدي إلى زيادة التضخم الوظيفي، ما لم يقترن بإصلاحات إدارية حقيقية تعتمد الحوكمة والشفافية وإعادة هيكلة المؤسسات، فضلاً عن احتمال خلق منافسة مباشرة مع القطاع الخاص.
ويعكس تصاعد المطالب باستقالة حكومة محمد مصطفى حالة استياء أوسع من الأداء الحكومي في ملفات الاقتصاد والخدمات والإصلاح الإداري، إضافة إلى الانتقادات الموجهة للسلطة الفلسطينية بشأن تعاملها مع تداعيات الحرب على قطاع غزة.
ومع استمرار الأزمات المالية وتكرار الاختناقات في القطاعات الحيوية، تتزايد الضغوط السياسية والشعبية على الحكومة، وسط تأكيدات أن استمرار النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، في وقت تتصاعد فيه المطالب بإجراء مراجعة شاملة لآليات إدارة الشأن العام ووضع سياسات أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها الفلسطينيون.





