تحليلات واراء

قراءة في مصادقة عباس النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني

أثارت مصادقة رئيس سلطة رام الله محمود عباس على النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026 جدلا واسعا في ظل صدور القرار من دون توافق وطني شامل أو مشاورات موسعة مع الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني.

وجاء إعلان الرئاسة المصادقة على النظام الجديد بعد اعتماده من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، باعتباره إطارا لتنظيم انتخابات المجلس الوطني داخل الأراضي الفلسطينية وفي مناطق الشتات.

غير أن طريقة إقرار النظام تعمق أزمة مؤسسات منظمة التحرير، خاصة في ظل غياب حوار وطني يسبق إعادة تشكيل أعلى هيئة تمثيلية للفلسطينيين في الداخل والخارج.

وبحسب النظام الجديد، يتكون المجلس الوطني من 350 عضوا، بينهم 200 عضو يمثلون الأراضي الفلسطينية، مقابل 150 عضوا للفلسطينيين في الخارج والشتات.

وقد أثار هذا التوزيع انتقادات بشأن منح أغلبية واضحة لتمثيل الضفة الغربية وقطاع غزة على حساب الشتات الفلسطيني، رغم أن ملايين الفلسطينيين يعيشون خارج الأراضي المحتلة.

تقليص وزن الشتات في منظمة التحرير

تأسست منظمة التحرير تاريخيا باعتبارها إطارا جامعا لكل الفلسطينيين أينما وجدوا، إلا أن تقليص وزن الشتات داخل المجلس الوطني يغير طبيعة المؤسسة التي كانت تمثل القضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

وتقول الرئاسة إن النظام الجديد ينص على عدم جواز المساس بالمقاعد المخصصة للشتات أو تقليصها، وإن انتخاب الأعضاء سيتم عبر الاقتراع المباشر وفق نظام القوائم والتمثيل النسبي الكامل.

كما ينص النظام على أن الأراضي الفلسطينية تعد دائرة انتخابية واحدة، بينما تعتبر كل منطقة من مناطق وجود الفلسطينيين في الخارج دائرة مستقلة في حال إجراء الانتخابات فيها.

وفي الحالات التي يتعذر فيها تنظيم انتخابات في مناطق الشتات، سيتم اختيار الأعضاء من خلال المجمع الانتخابي أو التوافق بين مكونات الساحة الفلسطينية في تلك المناطق أو عبر آليات التوافق والتعيين.

وتترك هذه الآلية مساحة واسعة للتحكم في تشكيل المجلس، خاصة في ظل غياب اتفاق وطني مسبق بين مختلف القوى الفلسطينية بشأن قواعد العملية الانتخابية.

شروط سياسية لدخول منظمة التحرير

أثار القرار جدلا بسبب عدم توضيح الشروط السياسية المتعلقة بالترشح لعضوية المجلس الوطني، خصوصا ما يتعلق بالموقف من الاتفاقيات السياسية التي وقعتها قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

إذ أن اشتراط الالتزام المسبق بالاتفاقيات التي وقعتها قيادة المنظمة، بما فيها اتفاقيات أوسلو، قد يؤدي إلى استبعاد قوى وشخصيات فلسطينية ترفض هذا المسار السياسي.

كما أن فرض أي شروط سياسية مسبقة على المرشحين سيجعل المجلس القادم محكوما باتجاه سياسي محدد، بدلا من أن يكون مؤسسة تعكس كامل التنوع الفلسطيني.

ويأتي هذا الجدل في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني والخلاف حول مستقبل منظمة التحرير وآليات إصلاحها وإعادة بنائها.

ويشدد مراقبون على أن إعادة تشكيل المجلس الوطني كان يفترض أن تتم عبر مسار وطني جامع يضم الفصائل الفلسطينية والقوى المجتمعية والمستقلين، وليس من خلال قرار صادر عن عباس ودائرته الضيقة فقط.

كما أعاد النظام الجديد فتح النقاش بشأن العلاقة بين مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، بعد النص على اعتبار أعضاء مجلس النواب الفلسطيني المنتخبين أعضاء في المجلس الوطني طوال مدة ولايتهم، واحتسابهم ضمن حصة الأراضي الفلسطينية.

إذ يعزز هذا الربط تداخل مؤسسات السلطة الناتجة عن مرحلة أوسلو مع مؤسسات منظمة التحرير التي يفترض أنها تمثل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم.

وتاريخيا، كان تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني قبل تأسيس السلطة يتم عبر التوافق والمحاصصة بين الفصائل والقوى والشخصيات المستقلة، قبل أن تؤدي التحولات السياسية بعد اتفاق أوسلو إلى تغيير طبيعة العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة.

وتؤكد الرئاسة أن الانتخابات المقررة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تمثل محطة لتجديد مؤسسات منظمة التحرير وتعزيز المشاركة السياسية.

لكن الانتقادات الحالية تكشف أن الخلاف الأساسي لا يتعلق فقط بموعد الانتخابات أو نظام التصويت، بل بمن يحدد قواعد إعادة بناء المؤسسة التي يفترض أن تمثل الفلسطينيين، وبما إذا كان المجلس القادم سيعبر عن إجماع وطني شامل أم سيعيد إنتاج التوازنات السياسية القائمة لصالح فريق سلطة رام الله وحركة فتح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى