هآرتس: سلطة رام الله تحولت إلى إدارة لجمع الضرائب والتبرعات فقط

وصفت صحيفة “هآرتس” العبرية سلطة رام الله بأنها تحولت إلى “أداة تقليدية” يقتصر دورها على جمع الضرائب والبحث عن التبرعات وإدارة مناورات مالية معقدة بين البنوك والموردين والموظفين، في ظل أزمة مالية وصفتها بأنها الأسوأ منذ تأسيس السلطة، أدت إلى عجز الحكومة عن دفع رواتب موظفيها بصورة منتظمة، وإبقاء قطاعات الصحة والتعليم على حافة الانهيار.
وقالت الصحيفة، في تقرير للكاتبة الإسرائيلية عميره هاس، إن الآمال التي علقها موظفو القطاع العام الفلسطيني على مؤتمر “مجموعة المانحين لفلسطين” الذي عقد في بروكسل الأسبوع الماضي تبددت سريعًا، بعدما اتضح أن التعهدات المالية التي خرج بها المؤتمر لن تنعكس على صرف الرواتب أو معالجة الأزمة المالية للحكومة الفلسطينية.
وأضاف التقرير أن السلطة رحبت بالتعهدات الدولية التي بلغت نحو مليار دولار لإعادة إعمار البنية التحتية في قطاع غزة، إلا أن هذه الأموال مخصصة للإعمار ولا ترتبط بميزانية الحكومة أو رواتب الموظفين، في حين لم يتجاوز الدعم المباشر المخصص للسلطة خلال المؤتمر 41 مليون يورو، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية رواتب شهر واحد، التي تتراوح بين 550 و600 مليون شيكل.
وأشارت “هآرتس” إلى أن المتحدثين باسم الحكومة الفلسطينية اضطروا عقب انتهاء المؤتمر إلى خفض سقف التوقعات، بعدما عجزوا عن تحديد موعد لصرف الرواتب المقبلة، لافتة إلى أن آخر دفعة مالية صرفت في 24 يونيو/حزيران الماضي، ولم تتجاوز نصف راتب شهر مارس/آذار الأصلي.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
أكد تقرير هآرتس أن الحد الأدنى لرواتب موظفي القطاع العام يبلغ حاليًا نحو ألفي شيكل فقط، وهو مبلغ لا يتناسب مع مستويات الأسعار المرتفعة في الضفة الغربية، حيث تباع الوقود والمياه والكهرباء بأسعار تقارب نظيرتها في دولة الاحتلال، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التنقل بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية وإغلاقات الطرق.
وأضافت الصحيفة أن استمرار صرف أنصاف الرواتب أدى إلى شلل واسع داخل المؤسسات الحكومية، حيث أصبحت العديد من الوزارات شبه خالية خلال معظم أيام الأسبوع، بعدما بات الموظفون غير قادرين على تحمل تكاليف التنقل إلى أماكن عملهم، خصوصًا أولئك الذين يقيمون في القرى والمناطق البعيدة.
ورغم هذا الواقع، اعتبرت الحكومة الفلسطينية مؤتمر بروكسل “إنجازًا”، مستندة إلى مشاركة رئيس الوزراء محمد مصطفى في رئاسة الاجتماع إلى جانب مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الشرق الأوسط، إلا أن “هآرتس” رأت أن الوصف الأدق للمؤتمر هو “تجمع خيري”، هدفه تأجيل الانهيار الكامل لمؤسسات السلطة، وليس معالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية
قالت الصحيفة إن محمد مصطفى ووزير المالية اسطيفان سلامة يكرسان جهودهما اليومية لمنع انهيار قطاعي الصحة والتعليم، وتجنب انفجار اجتماعي واسع، عبر البحث المستمر عن مصادر تمويل مؤقتة، وإطلاق مبادرات مالية جديدة تساعد على تأجيل الأزمة.
وأوضحت أن الحكومة الفلسطينية لم تقدم خلال المؤتمر معلومات جديدة بشأن أسباب الأزمة، إذ كررت تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية بسبب استمرار احتجازها أموال المقاصة، مشيرة إلى أن وزارة المالية الفلسطينية تقدر الأموال المحتجزة بنحو 18 مليار شيكل، وهو ما يعادل ستة أضعاف قيمة التعهدات المالية التي أعلن عنها لإعادة إعمار غزة.
وأضاف التقرير أن الإيرادات الضريبية المحلية لا تغطي سوى ثلث احتياجات السلطة المالية، إذ لا تتجاوز نحو 250 مليون شيكل شهريًا، ما يجعل الحكومة تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الخارجية وأموال المقاصة المحتجزة لدى تل أبيب.
وانتقدت “هآرتس” الدول المشاركة في مؤتمر المانحين، معتبرة أنها تتمسك نظريًا باتفاقيات أوسلو، بينما تتجاهل استمرار تل أبيب في مخالفة بنودها المتعلقة بتحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، دون أن تمارس أي ضغوط سياسية فعالة لإلزامها بإعادة تلك الأموال.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي سبق أن خصص 310 ملايين يورو لدعم السلطة الفلسطينية خلال عامي 2026 و2027، إلا أن آليات تحويل هذه الأموال تخضع لإجراءات بيروقراطية طويلة، ما يحد من أثرها في معالجة الأزمة العاجلة.
وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة المالية الفلسطينية تجد نفسها مضطرة بصورة دائمة إلى التفاوض مع موردي الأدوية والوقود والخدمات الأساسية، لإقناعهم بتأجيل تحصيل مستحقاتهم، بينما تسدد جزءًا من ديونها لشركات الأدوية حتى تتمكن من مواصلة استيراد العقاقير الأساسية للمستشفيات.
وأضافت أن السلطة تعتمد كذلك على التمويل الأوروبي لضمان استمرار علاج مرضى السرطان وغسيل الكلى في مستشفيات القدس الشرقية والضفة الغربية، في وقت تواجه فيه تهديدات من موردي الوقود بوقف الإمدادات عن الأجهزة الأمنية الفلسطينية نتيجة تراكم الديون.
زيادة جباية الضرائب
في محاولة لتعزيز الإيرادات، قالت الصحيفة إن وزارة المالية تعمل على زيادة جباية الضرائب، بالتعاون مع شركة بريطانية تمولها الحكومة البريطانية، لمواجهة التهرب الضريبي والسوق السوداء، كما تدرس رفع الضرائب على الشريحة الضريبية الثالثة، رغم توقعات بمواجهة معارضة قوية من قطاع الأعمال.
وأشارت “هآرتس” إلى أن الحكومة الفلسطينية أطلقت تطبيقًا ماليًا جديدًا يحمل اسم “يبوس”، في محاولة لإدارة جزء من الأزمة المالية، حيث يسمح التطبيق لموظفي القطاع العام باستخدام جزء من مستحقاتهم المالية لسداد فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، على أن تخصم تلك المبالغ من الديون المستحقة للموظفين لدى الحكومة.
وأوضحت الصحيفة أن التطبيق يستهدف نحو 150 ألف موظف حكومي، تدين لهم السلطة بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، ويتيح لكل مستخدم سقفًا شهريًا يصل إلى 500 شيكل، مع إمكانية ترحيل الرصيد غير المستخدم إلى الأشهر التالية.
وأضافت أن التجربة الأولية للتطبيق استمرت أسبوعين وشملت أربع مؤسسات حكومية، قبل أن تعلن وزارة المالية نيتها تعميمه على جميع موظفي القطاع العام نهاية يوليو/تموز، مع خطط مستقبلية لإشراك المتقاعدين والعاملين بعقود مؤقتة.
ورغم ذلك، قالت “هآرتس” إن التطبيق أثار موجة من المخاوف بين الموظفين، تتعلق بحماية البيانات المصرفية وإمكانية إساءة استخدام المعلومات الشخصية، إضافة إلى غياب تشريعات تنظم آلية عمله.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن حجم الاعتراضات على تطبيق “يبوس” يعكس حالة فقدان الثقة المتزايدة بين الفلسطينيين وحكومتهم، معتبرة أن السلطة أصبحت منشغلة بإدارة الأزمات اليومية، وتأمين الرواتب والضرائب والتبرعات، أكثر من انشغالها بإدارة مشروع سياسي أو اقتصادي قادر على إخراجها من أزمتها المستمرة.



