تحليلات واراء

قراءة في سلبطة عباس واستئثاره بقرار الانتخابات رغم فقدانه للشرعية الشعبية والدستورية

يثير إصرار رئيس سلطة رام الله محمود عباس على المضي في ترتيبات الانتخابات التشريعية المفترضة وإرجاء الانتخابات الرئاسية، رغم التعقيدات السياسية والميدانية والانقسامات الفلسطينية العميقة، انتقادات واسعة بشأن استئثاره بقرار الانتخابات وشروطها، في وقت يبرز فيه الكاتب والباحث الفلسطيني أسامة أبو ارشيد أن عباس فقد شرعيته الشعبية والدستورية منذ عام 2009.

ويقول أبو ارشيد في مقال له، إن الواقع الفلسطيني يواجه أزمة كارثية شاملة، بينما تبدو سلطة رام الله بعيدة عن إدراك حجم التحولات والتحديات التي تهدد القضية الفلسطينية، في وقت تعاني فيه القوى والفصائل الفلسطينية من آثار الضربات الإسرائيلية المتواصلة خلال السنوات الماضية.

ويؤكد أن المقارنة بين السلطة والمقاومة لا يمكن أن تكون متساوية من الناحية المبدئية، في ظل الفارق بين من يواجه الاحتلال الإسرائيلي ومن يرتبط معه بالتنسيق، إلا أن الواقع الفلسطيني يكشف عن معاناة مختلف الأطراف بدرجات متفاوتة من إنكار الواقع والانفصال عن حجم الأزمة القائمة.

وتتجلى إحدى صور هذه الأزمة في الاستعداد لخوض انتخابات تشريعية يفترض إجراؤها في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وفق مرسوم رئاسي نص على إجرائها في جميع أراضي دولة فلسطين، بما يشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

لكن أبو ارشيد يطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية إجراء انتخابات في ظل الظروف القائمة، متسائلاً عن طبيعة الانتخابات التي يمكن تنظيمها في قطاع غزة، حيث لا وجود فعلياً للسلطة وحيث يعيش السكان واقعاً إنسانياً وأمنياً بالغ التعقيد.

وكانت حركة “حماس” قد أعلنت في يوليو/تموز الماضي حل لجنة الطوارئ الحكومية التي كانت تدير شؤون القطاع، تمهيداً لنقل المهام الإدارية إلى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي لجنة تكنوقراط يرأسها علي شعث، وفق الخطة المطروحة لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.

غير أن دولة الاحتلال لا تزال تمنع اللجنة الوطنية من دخول قطاع غزة ومباشرة مهامها، الأمر الذي يزيد من الشكوك بشأن إمكانية توفير الحد الأدنى من الظروف اللازمة لإجراء عملية انتخابية شاملة.

ويمتد التعقيد إلى القدس المحتلة، التي تعدها دولة الاحتلال عاصمة موحدة لها، خصوصاً بعد اعتراف الإدارة الأميركية السابقة برئاسة دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017، ما يجعل تنظيم الانتخابات فيها قضية شديدة التعقيد في ظل السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

أما الضفة الغربية، فتعيش بدورها واقعاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متدهوراً، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوسع الاستيطان وتصاعد اعتداءات المستوطنين والانقسام السياسي الفلسطيني.

سلبطة محمود عباس

في قلب هذه الأزمة، ينتقد أبو ارشيد “سلبطة” عباس واستئثاره بقرار الانتخابات وإجراءاتها وشروط المشاركة فيها، معتبراً أن فرض شروط الترشح يعكس استمرار السيطرة الفردية على المؤسسات السياسية الفلسطينية.

ومن بين الشروط التي أثارت جدلاً، اشتراط الاعتراف باتفاق أوسلو ومخرجاته للمشاركة في الانتخابات، وهو شرط يتعارض مع مواقف فصائل فلسطينية رئيسية، بينها “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة”.

ويرى أبو ارشيد أن مستقبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية نفسها لا يزال محل شك، خصوصاً في ظل الانقسامات الحادة داخل حركة “فتح” والخشية من انعكاس هذه الانقسامات على نتائج الانتخابات.

وتعيش حركة فتح، بحسب القراءة، صراعاً داخلياً متصاعداً مرتبطاً بمعركة خلافة عباس، وسط تنافس بين مراكز القوى داخل الحركة، الأمر الذي يضاعف الشكوك بشأن قدرة “فتح” على دخول الانتخابات بقائمة موحدة.

أزمة الشتات الفلسطيني

تمتد الأزمة إلى الفلسطينيين في الشتات، حيث لا تزال القوى والتيارات والشخصيات الوطنية عاجزة عن تشكيل أطر سياسية فاعلة قادرة على تمثيل الفلسطينيين وتعويض حالة الجمود التي تعيشها منظمة التحرير الفلسطينية.

ويحمّل أبو ارشيد عباس مسؤولية كبيرة عن حالة التراجع التي أصابت منظمة التحرير، مشيراً أن السنوات الماضية شهدت تقويضاً وتعطيلاً لدورها، وفشلاً متكرراً في محاولات إصلاحها وإعادة بنائها على أسس وطنية جامعة.

ويحذر الكاتب من احتمال إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني عبر آلية التعيين، بما يسمح بإعادة إنتاج المؤسسات الفلسطينية من خلال اختيار شخصيات محسوبة على عباس وتياره، بعيداً عن الانتخابات والتمثيل الحقيقي للكفاءات الفلسطينية الموجودة في الداخل والشتات.

ويشدد على أن الشعب الفلسطيني يمتلك كفاءات وقدرات سياسية وفكرية واسعة في مختلف أماكن وجوده، لكن استمرار استئثار عباس وفريقه الحاكم بالقرار وإدارة المؤسسات بمنطق الولاءات السياسية يحول دون الاستفادة من هذه الطاقات.

ويخلص أبو ارشيد إلى أن القضية الفلسطينية تواجه تهديداً وجودياً واسعاً، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على التعامل مع التحولات السياسية والميدانية، مؤكدا أن الخطوة الأولى لمواجهة هذا الواقع تبدأ بالاعتراف بحجم الكارثة والتحديات، وتجاوز المصالح الشخصية والفصائلية وبناء إطار وطني جامع يقوم على الكفاءة والقدرة على الفعل والتأثير، بدلاً من الاعتماد على الرمزية التاريخية أو استمرار احتكار القرار السياسي.

ويعيد هذا الواقع، بحسب القراءة، طرح سؤال الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني، وحدود قدرة قيادة فقدت شرعيتها الشعبية والدستورية على الانفراد برسم مستقبل الانتخابات والمؤسسات الوطنية في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى