استفراد عباس وحاشيته بصياغة الدستور يكرس تهميش المؤسسات ويعمق أزمة النظام السياسي

تتفاقم الخلافات داخل منظمة التحرير الفلسطينية على خلفية استفراد رئيس السلطة محمود عباس ودائرته الضيقة بصياغة الدستور الفلسطيني، في خطوة اعتبرتها قوى وفصائل سياسية تجاوزًا خطيرًا للمؤسسات الوطنية، وتكريسًا لنهج فردي يعمّق أزمة الشرعية ويهمّش الأطر التمثيلية التاريخية للشعب الفلسطيني.
وكشف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضو المكتب السياسي لـ الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رمزي رباح أن اللجنة التنفيذية للمنظمة لم تُطلع، لا من قريب ولا من بعيد، على تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت، ولا على مرسوم إنشائها، ولا حتى على صلاحياتها أو آليات عملها.
وقال رباح في تصريحات صحفية إن “اللجنة التنفيذية لا علم لها لا بمرسوم الدستور المؤقت، ولا باللجنة المكلفة بصياغته، ولا بتسمية أعضائها أو طبيعة صلاحياتها”، مشددًا على أن “كل ما جرى تم بقرار فردي من الرئيس، خارج أي نقاش مؤسسي أو وطني”.
وأضاف أن الموضوع لم يُعرض كذلك على المجلس الوطني الفلسطيني، في تجاهل صارخ لأعلى هيئة تمثيلية يفترض أن تكون المرجعية في القضايا المصيرية.
وانتقد رباح توقيت الخطوة، معتبرًا أن الحديث عن صياغة دستور في ظل استمرار الاحتلال يفتقر إلى الأساس السياسي والقانوني.
وأوضح أن “الدستور يفترض وجود سيادة على الأرض، وهو ما لا يتوفر حاليًا، كما أن الشعب الفلسطيني محروم من ممارسة حقوقه السياسية الأساسية تحت الاحتلال، ما يجعل الحديث عن تطبيق دستور أمرًا إشكاليًا وغير واقعي”.
منظمة التحرير الفلسطينية ويكيبيديا
تكشف هذه التصريحات عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بمنظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني عمومًا، حيث أشار رباح إلى وجود “خلافات طاحنة” داخل أطر المنظمة، تتمحور حول ثلاث قضايا مركزية تعكس صراعًا على طبيعة المشروع الوطني ومساره.
وبحسب رباح، تتمثل القضية الأولى في الخلاف حول طبيعة المرحلة السياسية الراهنة؛ إذ يرى تيار داخل القيادة أنها مرحلة انتقال نحو الدولة، في حين تعتبر قوى أخرى أنها مرحلة تحرر وطني تتطلب إعادة بناء استراتيجية مقاومة شاملة، سياسية وشعبية، في مواجهة الاحتلال، بدل الارتهان لمسار تسوية متعثر.
أما القضية الثانية، فتتعلق بالتجاوب مع الشروط الأمريكية والإسرائيلية تحت عنوان “الإصلاح السياسي”، وهي شروط يرى رباح أنها لا تهدف إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي، بل إلى إضعاف النظام السياسي الفلسطيني وتفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونها ودورها التمثيلي، بما يخدم متطلبات الأمن والاستقرار للاحتلال لا حقوق الشعب الفلسطيني.
وتتمحور القضية الثالثة، والأخطر وفق رباح، حول تحجيم دور منظمة التحرير وتجاوزها في القضايا المرجعية والوطنية الكبرى، وهو ما تجلّى بوضوح في ملف صياغة الدستور المؤقت، الذي جرى إعداده ونشره دون أي نقاش داخل اللجنة التنفيذية، لا قبل الصياغة ولا بعدها.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل حلقة جديدة في مسلسل تهميش المؤسسات الوطنية، وتحويل القرارات المصيرية إلى شأن خاص يُدار داخل دائرة ضيقة من المستشارين، بعيدًا عن مبدأ الشراكة الوطنية والتمثيل الديمقراطي.
ويحذر هؤلاء من أن الاستفراد بصياغة الدستور، في ظل غياب الإجماع الوطني والشرعية الانتخابية، يهدد بتكريس انقسام سياسي ودستوري جديد، بدل أن يشكل مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية.
وفي ظل الاحتلال والانقسام، وغياب الانتخابات، يشدد المراقبون على أن الأولوية لا ينبغي أن تكون لصياغة نصوص دستورية فوقية، بل لإعادة الاعتبار للمؤسسات، وإشراك الشعب وقواه السياسية في رسم مستقبلهم، كون أن دستور يُكتب بقرار فردي وفي غياب السيادة، لا يمكن أن يكون عقدًا اجتماعيًا جامعًا، بل وثيقة خلاف جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات المتراكمة.





