افتقاد الشرعية وأزمة التمثيل قاسم مشترك بين سلطة رام الله ومجلس السلام بشأن غزة

يكشف المشهد الفلسطيني الراهن عن أزمة عميقة تتجاوز العدوان الإسرائيلي المتصاعد لتطال بنية التمثيل والشرعية السياسية الفلسطينية نفسها، وسط إجماع على أن ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن فصله عن تآكل القدرة على الفعل الجماعي واحتكار القرار السياسي دون تفويض ديمقراطي.
ويبرز أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت باسم الزبيدي، أن التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق، بما يحمله من إبادة وتجويع وحصار، يتفاعل مع وضع فلسطيني داخلي منهك ومنقسم، فقدت فيه المؤسسات السياسية والاجتماعية قدرتها على التعبير عن إرادة الناس.
ويوضح الزبيدي أن هذا التفاعل يحوّل العدوان من لحظة كان يمكن أن تكون عامل استنهاض وطني إلى عنصر إضافي يعمّق التفكك الداخلي ويقيد أي أفق لتحرك فلسطيني موحد.
ويشير إلى أن الضفة الغربية تشهد نهبًا واستباحة متواصلة من قبل الاحتلال ومستوطنيه، دون كلفة سياسية تُذكر، في وقت تمر فيه السلطة الفلسطينية في رام الله بإحدى أضعف مراحلها التاريخية، بعد تراجع مقبوليتها الداخلية وتآكل وزنها الإقليمي والدولي.
ويلفت إلى أن السلطة باتت شبه غائبة عن الحسابات الكبرى التي تُعاد صياغتها لمستقبل المنطقة، ما يضعف قدرتها على التأثير أو الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يؤكد الزبيدي أن جوهر النضال الفلسطيني يتمثل في انتزاع الحق في تمثيل الذات ومنع مصادرته، ليس في مواجهة الاحتلال فقط، بل أيضًا في مواجهة البنى الداخلية التي تحتكر التمثيل وتتحدث باسم الشعب دون تفويض انتخابي متجدد.
ويشدد على أن أي كفاح تحرري لا يكتسب اتساقه واستدامته ما لم يقترن بحق المجتمع في اختيار من يمثله ومحاسبته.
وفي هذا السياق، توقف الزبيدي عند موقف السلطة الفلسطينية من إنشاء ما يسمى “مجلس السلام” الأميركي لإدارة غزة، معتبرًا أن اعتراضها على هذا المجلس يضعها أمام مفارقة سياسية وأخلاقية حادة.
ويشير إلى أن كلاً من السلطة ومجلس السلام يفتقدان المصدر ذاته للشرعية، وهو الإرادة الفلسطينية الحرة، إذ يُفرض مجلس على غزة بقرار خارجي، بينما تُدار الضفة بسلطة لم تُجدّد شرعيتها عبر انتخابات.
وينبه إلى أن رفض وصاية الخارج لا يكتسب معناه الكامل ما لم يقترن برفض الوصاية القسرية في الداخل، محذرًا من أن التحرر الانتقائي، الذي يرفع شعارات السيادة في مواجهة الخارج ويتجاهل مصادرة الإرادة داخليًا، يتحول إلى خطاب فارغ.
ويؤكد أن التحرر الحقيقي إما أن يكون شاملاً يعيد للشعب حقه في اختيار من يحكمه ويمثله، أو يفقد مضمونه، محذرا من مخاطر نقل هذا الخلل إلى أفق الدولة الفلسطينية المرتقبة، كون أن دولة تُمنح بترتيبات خارجية دون تفويض داخلي حر ستولد ضعيفة وتابعة، مثقلة بشروط الإلحاق والإذلال.
ويختم بالقول إن أي تحرر مستدام يفترض حسم “معركة الداخل” بوصفها أولوية قصوى، لأنها تمثل جوهر الأزمة الفلسطينية اليوم، فيما أن استمرار تجاهل هذه المعركة سيبقي الفلسطينيين عالقين بين احتلال يتغذى من انقسامهم، وقيادات عاجزة عن تجديد شرعيتها، وواقع دولي لا يمنح حقوقًا لمن لا يمتلك القدرة على تمثيل ذاته.





