تحليلات واراء

من المساواة إلى التمييز: خلل بنيوي في مسوّدة الدستور الفلسطيني

في الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكّل مسوّدة الدستور الفلسطيني خطوة تأسيسية نحو دولة حديثة عادلة، تثير بعض نصوصها، ولا سيما المادة الرابعة، قلقاً سياسياً وقانونياً عميقاً، بسبب الصياغات الملتبسة التي توحي بمحاولة التفاف لغوي على إشكاليات جوهرية تمسّ طبيعة الدولة، ومفهوم المواطنة، ومبدأ المساواة.

إذ تنصّ المادة الرابعة في فقرتها الأولى على أن «الإسلام هو الدين الرسمي في دولة فلسطين» وذلك في عبارة تبدو للوهلة الأولى، قد تبدو مألوفة أو تقليدية، لكنها عند التدقيق تكشف إشكالاً مفاهيمياً خطيراً.

فما معنى أن يكون «الدين الرسمي في دولة فلسطين»؟ هل الدولة كيان له دين؟ أم أن المقصود تنظيم العلاقة بين الدولة والأديان؟ في المفاهيم الدستورية الحديثة، الدولة كيان مدني فوقي، لا دين له، بينما الأفراد هم من ينتمون إلى أديان ومعتقدات، والدولة تُنشأ لحماية هذا التنوع وضمان حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين، لا للانحياز إلى دين بعينه.

مسوّدة الدستور الفلسطيني ويكيبيديا

اللافت أن مسوّدة الدستور الفلسطيني لعام 2003 كانت أكثر وضوحاً، إذ نصّت صراحة على أن «الإسلام هو الدين الرسمي للدولة». ورغم ما في هذه الصيغة نفسها من إشكال، فإن التراجع عنها اليوم، واستبدال حرف الجر «لـ» بحرف الجر «في»، لا يبدو بريئاً أو عفوياً.

ذلك أن الفارق اللغوي يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، كون أن الصيغة الجديدة تبدو محاولة للهرب من التصريح الواضح، من دون الجرأة على تبنّي صيغة مدنية صريحة تفصل بين الدولة والدين في مراوغة لغوية تفتح الباب لتفسيرات متناقضة، وتزرع غموضاً في نص يفترض أن يكون أعلى مرجعية قانونية في البلاد.

ويزداد هذا الإشكال عمقاً في الفقرة الثانية من المادة نفسها، التي تنص على أن «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع». وهنا أيضاً يظهر الفرق جلياً عند المقارنة مع مسوّدة 2003 التي نصّت على أن الشريعة هي «المصدر الأساسي للتشريع».

فالانتقال من «المصدر الأساسي» إلى «مصدر رئيس» ليس مجرد تخفيف لفظي، بل يعكس محاولة موازنة مترددة بين ضغوط متعارضة: من جهة إرضاء تيارات دينية تريد تثبيت مرجعية الشريعة، ومن جهة أخرى تجنّب الصدام مع خطاب مدني أو حقوقي والنتيجة هي نص رمادي، لا يحسم الاتجاه، ويترك التشريع رهينة التأويل السياسي.

الأخطر من ذلك أن هذه الصياغات تتعارض مباشرة مع نصوص أخرى في المسوّدة نفسها، وعلى رأسها المادة السابعة والعشرون التي تنص بوضوح على أن «الفلسطينيين متساوون في الحقوق والواجبات».

إذ كيف يمكن التوفيق بين مبدأ المساواة الكاملة، وبين النص على دين رسمي للدولة أو «في الدولة»؟ المساواة لا تكون انتقائية، ولا يمكن تجزئتها.

فحين تُمنح هوية دينية رسمية للدولة، يصبح المواطن غير المنتمي إلى هذا الدين، ولو نظرياً، في موقع أدنى رمزياً، حتى لو ضُمنت له حقوق فردية لاحقاً. وهذه ليست مسألة نظرية، بل جوهر العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن يؤسسه الدستور.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

من زاوية تاريخية، تبدو هذه النصوص انقلاباً على أحد أكثر جوانب التجربة الوطنية الفلسطينية إشراقاً.

فمنذ بدايات القرن العشرين، شكّلت الحركة الوطنية الفلسطينية نموذجاً متقدماً في الشراكة الإسلامية–المسيحية، بدءاً من الجمعيات الإسلامية–المسيحية عام 1918، مروراً بالمؤتمرات الوطنية منذ عام 1919.

والبارز أن تلك الحركة لم تُبنَ على أساس ديني، بل على أساس وطني جامع، يرى في التعدد قوة، وفي المساواة شرطاً للتحرر.

ويرى مراقبون أن مسوّدة الدستور، بصيغتها الحالية، لا تهدد فقط مبدأ المساواة، بل تضعف الأساس الديمقراطي للدولة المنشودة.

فالديمقراطية لا تقوم على الأغلبية الدينية، بل على حقوق متساوية، وعلى دولة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها. وأي دستور يتلاعب باللغة لتجنّب الحسم، أو يقدّم تنازلات رمزية على حساب المبادئ، إنما يزرع بذور أزمة مستقبلية في قلب النظام السياسي قبل أن يولد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى