معالجات اخبارية

جوازات السفر كسلاح سياسي: سلطة رام الله تكرس العقاب الجماعي ضد أبناء غزة

في خطوة تعكس انحدارًا خطيرًا في السلوك السياسي والإداري، تستخدم السلطة الفلسطينية جوازات السفر كأداة انتقام سياسي في إطار عقلية أمنية انتقامية تضرب جوهر الحقوق الدستورية للمواطن الفلسطيني، وتضيف طبقة جديدة من القهر إلى حياة مثقلة أصلًا بالأزمات والحصار.

وكشف الدبلوماسي والسفير الفلسطيني السابق عدلي صادق عن معلومات تفيد بأن سفارة فلسطين في القاهرة ترفض تسليم جوازات سفر لموظفين من قطاع غزة كانوا قد عملوا ضمن الحكومة في غزة، رغم تجديد تلك الجوازات رسميًا، وذلك حتى بعد صدور أوامر برفع المنع عن أسرهم من قبل لجنة أمنية في رام الله.

واعتبر صادق هذا الإجراء “عوارًا دستوريًا ووطنيًا واجتماعيًا وإنسانيًا”، مؤكدًا أنه لا يليق بفعل دولة ولا بحركة تحرر وطني، بل يعكس نزعة انتقامية صريحة من مواطنين لم يرتكبوا جرمًا سوى السعي وراء لقمة العيش.

وحذر صادق من أن تداعيات هذه الممارسات تتجاوز الأذى الفردي لتتحول إلى أزمة مركبة تمس حياة الناس اليومية، إذ يؤدي احتجاز الجوازات إلى رفع الغطاء القانوني عن مواطنين فلسطينيين في الخارج وأسرهم، ويضعهم في مشكلات مع الدول المضيفة، ويقيّد حقهم في الحركة والسفر والعمل والعلاج.

وشدد على أن العبث بالأوراق الثبوتية للمواطنين ينطوي على “خفة وحماقة سياسية”، لأن الحق الدستوري في الهوية والجنسية لا علاقة له بالخصومات السياسية أو الانقسامات الفصائلية.

وأكد صادق أن هذه المعلومات وصلته من فلسطينيين في أكثر من بلد، داعيًا الجهات المعنية في السلطة إلى الخروج عن صمتها والإفادة بوضوح حول صحة أو بطلان ما يجري، حتى يتمكن الرأي العام من اتخاذ موقف يستند إلى قاعدة أساسية: حقوق المواطن الفلسطيني مصونة، وحمايتها واجب لا يخضع للأهواء الأمنية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

في السياق ذاته، كشفت مصادر خاصة في وزارة الداخلية برام الله أن مستشار رئيس السلطة للشؤون الدينية محمود الهباش يقف خلف حرمان أعداد كبيرة من مواطني قطاع غزة، المقيمين والمسافرين، من جوازات السفر.

ووفق هذه المصادر، يترأس الهباش لجنة أمنية تضم عناصر من جهاز المخابرات في غزة، تتولى إجراء تحريات أمنية عن كل مواطن يتقدم بطلب إصدار أو تجديد جواز سفر.

وذكرت المصادر أن الحرمان يتركز على من عملوا في حكومة غزة السابقة، أو المنتمين إلى فصائل فلسطينية، أو المعارضين السياسيين للسلطة وحركة فتح، بل امتد ليشمل أسرى محررين أُبعدوا إلى مصر، في مشهد يعكس توسع دائرة العقاب لتطال فئات لا تشكل أي “تهديد أمني” حقيقي.

وبحسب المعلومات، فإن مئات جوازات السفر محتجزة حاليًا في السفارة الفلسطينية بالقاهرة، فيما تُحتجز آلاف أخرى في وزارة الداخلية برام الله، بأوامر مباشرة من الهباش وجهازي الأمن الوقائي والمخابرات.

والأخطر من ذلك، أن هذا الاحتجاز يحرم مرضى من قطاع غزة من حقهم في السفر لتلقي العلاج، ما يحوّل القرار الإداري إلى حكم قاسٍ قد يهدد حياة الناس.

وأكدت المصادر أن لجنة أمنية، يترأسها ضباط يحملون عداءً واضحًا لأهالي غزة، تتولى مراجعة طلبات الإفراج عن الجوازات، وتتبع سياسة تشدد مفرط، حيث يتم رفض أكثر من 99 بالمئة من الطلبات، لتبقى الجوازات رهينة الأدراج الأمنية.

ولسنوات طويلة، استخدمت السلطة ملف جوازات السفر كأداة عقابية جماعية ضد قطاع غزة، إذ طالت الإجراءات آلاف المواطنين الذين لا علاقة لهم بالعمل السياسي أو الحزبي.

وبذلك، يتحول جواز السفر من حق طبيعي إلى وسيلة إذلال، ومن رمز للسيادة إلى أداة قمع، في سلوك يطرح سؤالًا جوهريًا: أي سلطة هذه التي تحاصر شعبها بأوراقه الثبوتية بدل أن تحميه؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى