45 مليار شيكل على الطاولة.. أرقام صادمة عن مديونية السلطة

تقترب المديونية الإجمالية للسلطة من 45 مليار شيكل، وفق تقديرات واردة في ورقة بحثية تناولت تطور الأزمة المالية للسلطة، في رقم يعكس حجم الالتزامات التي تراكمت خلال سنوات، ولا يقتصر على القروض والدين الحكومي المباشر، بل يشمل أيضًا متأخرات والتزامات تجاه جهات مختلفة.
ويظهر حجم الأزمة بصورة أوضح عند العودة إلى مسار الدين العام المباشر؛ فقد ارتفع من 547 مليون دولار عام 1998 إلى نحو 4.45 مليار دولار عام 2026.
وخلال السنوات الأخيرة، كان الدين المحلي صاحب القفزة الأكبر، إذ ارتفع من 1.26 مليار دولار عام 2018 إلى نحو 3.35 مليار دولار عام 2026، ليشكل قرابة 75% من الدين المباشر.
وهذه الزيادة لا تعكس فقط ارتفاع قيمة الدين، وإنما تكشف تحول الاقتراض إلى وسيلة متكررة لتوفير السيولة وتمويل جزء من النفقات الجارية، في ظل فجوة بين الإيرادات الفعلية والالتزامات الثابتة، وعلى رأسها الرواتب والتقاعد وخدمة الدين.
ومع تكرار أزمات الإيرادات، أصبحت التسهيلات المصرفية والاقتراض قصير الأجل جزءًا من طريقة تغطية هذه الفجوات. فبدل أن يبقى الاقتراض حلًا مؤقتًا خلال الأزمات، تحول تدريجيًا إلى مصدر دائم نسبيًا لتمويل النفقات.
وتزداد خطورة ذلك عندما يذهب الاقتراض إلى الإنفاق الجاري، لأن الأموال المقترضة لا تؤدي بالضرورة إلى خلق مصدر دخل جديد يمكن أن يساعد في سدادها. وهكذا تصبح السلطة بحاجة إلى الاقتراض مرة أخرى مع كل فجوة جديدة، فيما يؤدي ارتفاع الدين إلى تقليص قدرتها على الحصول على تمويل إضافي.
مديونية السلطة
وتكشف الأرقام أيضًا أن حجم مديونية السلطة لا يظهر كاملًا في الدين الحكومي المباشر. فهناك أكثر من 30 مليار شيكل من المتأخرات والالتزامات غير المصرفية، تشمل مستحقات مرتبطة بصندوق التقاعد والموردين والموظفين وغيرها.
وعند احتساب هذه الالتزامات إلى جانب الدين المباشر، تصل المديونية الإجمالية، وفق تقديرات الورقة، إلى نحو 45 مليار شيكل.
وهذه المتأخرات ليست أرقامًا مؤجلة فقط، بل التزامات قائمة جرى ترحيل سدادها إلى المستقبل، وكلما تراكمت، زادت الضغوط على المالية العامة، وانتقلت آثار الأزمة إلى الجهات التي تنتظر مستحقاتها، وفي مقدمتها الموردون والقطاع الخاص وصناديق التقاعد والموظفون.
وفي قلب هذه الدائرة تقف البنوك الفلسطينية، التي أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتمويل الحكومة، ومع وصول الدين المحلي إلى 3.35 مليار دولار، تقترب السلطة، بحسب الورقة، من سقف الاقتراض المباشر والتسهيلات المصرفية المقررة من سلطة النقد.
وهذا يضع الحكومة والقطاع الخاص في منافسة على السيولة المصرفية المتاحة. فكلما توسع الاقتراض الحكومي لتمويل النفقات الجارية، تقل المساحة المتاحة أمام الشركات والمشاريع للحصول على التمويل، بما ينعكس على تكلفة الاقتراض والنشاط التجاري والاستثماري.
ولا تتوقف آثار الأزمة عند البنوك والشركات، إذ يرتبط نقص السيولة أيضًا بانتظام دفع الرواتب والمستحقات، وبالقدرة على الوفاء بالالتزامات تجاه القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية.
وتربط الورقة جانبًا أساسيًا من هذه الأزمة باقتطاع واحتجاز أموال المقاصة، باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للإيرادات الفلسطينية. إلا أن القراءة المالية للأزمة تشير في الوقت نفسه إلى أن طريقة إدارة الإنفاق جعلت أثر هذه الصدمات أكثر حدة واستمرارًا.
فمع ثبات جزء كبير من النفقات، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد وخدمة الدين، وغياب هامش مالي قادر على امتصاص الصدمات، يصبح أي تراجع في الإيرادات سببًا مباشرًا لأزمة سيولة جديدة، تُعالج بالاقتراض أو بتأجيل دفع الالتزامات.
ومن هنا تتشكل دائرة متكررة تراجع الإيرادات، ثم نقص السيولة، فالاقتراض، ثم ارتفاع الدين، وبعده تراكم المتأخرات، وصولًا إلى تضييق قدرة السلطة على الاقتراض مجددًا.
وترى الورقة أن كسر هذه الدائرة يحتاج إلى أكثر من توفير تمويل جديد. فإلى جانب الإفراج عن أموال المقاصة، تطرح الحاجة إلى إعادة النظر في الإنفاق الجاري، ومراجعة فاتورة الأجور وصندوق التقاعد، ووضع سقف للاقتراض المحلي، والحد من استخدام القروض لتمويل الاستهلاك الجاري.
كما تطرح توجيه التمويل المتاح نحو مشاريع استثمارية وتنموية مولدة للدخل، ووضع آلية لجدولة المتأخرات، بما يخفف الضغط عن القطاع الخاص والسوق المحلي.
وفي المحصلة، تكشف الأرقام عن انتقال الأزمة المالية من مشكلة نقص مؤقت في السيولة إلى تراكم طويل الأمد في الدين والالتزامات. فمن 547 مليون دولار من الدين المباشر عام 1998 إلى 4.45 مليار دولار عام 2026، ومن 1.26 مليار دولار من الدين المحلي عام 2018 إلى 3.35 مليار دولار عام 2026، وصولًا إلى تقدير إجمالي المديونية بنحو 45 مليار شيكل عند احتساب الالتزامات والمتأخرات.
وتضع هذه الأرقام المالية للسلطة أمام أزمة لا تتعلق فقط بتأمين الأموال اللازمة لتغطية نفقات اليوم، وإنما بقدرتها على منع استمرار تراكم أعباء الماضي وتحويلها إلى التزامات جديدة في السنوات المقبلة.



