بين طوابير الغاز وجرافات الاستيطان: فشل السلطة يفاقم وجع الضفة

في وقت يرزح فيه الشارع الفلسطيني تحت وطأة أزمات معيشية خانقة، تعود أزمة الغاز والبنزين في الضفة الغربية إلى الواجهة بوصفها عنوانًا جديدًا لفشل بنيوي مزمن في أداء السلطة الفلسطينية التي اعتادت تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة، بينما تتقن في المقابل تسويق خطاب التبرير وادّعاء “سَدّ الذرائع” حفاظًا على ما تسميه “مشروع الدولة الفلسطينية”.
وقد جاءت أزمة الغاز الجديدة كامتداد لمسار طويل من سوء الإدارة وغياب الشفافية لدى الجهات الحكومية في السلطة وتكشفت للرأي العام في ظل طوابير المواطنين أمام محطات التوزيع، وارتفاع الأسعار، وتخبط التصريحات الرسمية، كمؤشرات على حكومة عاجزة عن إدارة أبسط الملفات الحياتية.
ورغم وضوح المشهد، خرجت الحكومة لتتحدث عن “إجراءات فنية” و“اختناقات مؤقتة”، في محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام، وكأن المواطن لم يعد يرى بأم عينه حجم الفوضى.
وبحسب مراقبين فإن الأخطر من أزمة الغاز ذاتها هو تكرار السيناريو نفسه مع البنزين، حيث تتحول الأزمات إلى أدوات ضغط غير معلنة على الشارع، في ظل غياب أي خطة حقيقية لضمان الأمن الطاقي، أو حتى مصارحة الناس بحقيقة ما يجري.
فالسلطة التي تجبي الضرائب وتفرض الرسوم لا تبدو مستعدة لتحمل مسؤولياتها الاجتماعية، بقدر استعدادها لإدارة الأزمات بالحد الأدنى، بما يضمن بقاء الوضع تحت السيطرة الأمنية فقط.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
لا يمكن فصل أزمة الوقود عن أزمة الرواتب التي تضرب عشرات آلاف الموظفين العموميين لدى السلطة حيث أن تأخير الرواتب، صرف أنصافها، أو ربطها بمزاج المقاصة، أصبح واقعًا اعتياديًا.
يأتي ذلك في وقت تزداد البنوك تشددًا، والديون تتراكم، ويترك الموظف وحيدًا في مواجهة التزاماته، بينما تكتفي الحكومة ببيانات تبريرية تتحدث عن “الظروف الصعبة” و“الضغوط الخارجية”، دون أي مساءلة داخلية أو مراجعة جادة للسياسات المالية.
وفي الخلفية، يتوسع الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة، وتتصاعد اعتداءات المستوطنين والاقتحامات اليومية للمدن والقرى الفلسطينية، فيما تبدو السلطة منشغلة بإدارة الوضع القائم بدل مواجهته حيث اجتماعات أمنية متكررة، زيارات بروتوكولية، وتصريحات عن “أمن المواطن”، لكنها لا توقف جرافة استيطان، ولا تحمي مزارعًا، ولا تمنع اقتحامًا.
وهنا تبرز المفارقة الأكبر في ظل سلطة ترفع شعار “سد الذرائع” حتى لا يُقال إنها تعرقل “مشروع الدولة الفلسطينية”، لكنها في الواقع تسد ذرائع المقاومة السياسية والشعبية، وتفرغ فكرة الدولة من مضمونها.
ويتساءل المراقبون عن قيمة دولة لا تستطيع توفير غاز الطهي لمواطنيها؟ وما معنى السيادة في ظل عجز مزمن عن حماية الأرض والناس؟.
ويشير هؤلاء إلى أن سياسة “إدارة الأزمة” باتت نهجًا ثابتًا لدى السلطة التي تفضّل احتواء الغضب الشعبي عبر الوعود والاجتماعات، بدل الذهاب إلى خيارات سياسية واقتصادية جريئة لتعمّق فجوة الثقة مع الشارع، الذي لم يعد يصدق روايات الحكومة ولا بياناتها.
فالمواطن يرى أن الاحتلال عدو واضح، لكن ما يضاعف معاناته هو شعوره بأن من يفترض أن يمثله ويدافع عنه بات جزءًا من منظومة تضغط عليه بدل أن تحميه.
ويؤكد المراقبون أن ربط كل إخفاق داخلي بالاحتلال وحده لم يعد مقنعًا، رغم حقيقة مسؤوليته الأساسية عن الحصار والنهب والاستيطان.
فالإدارة الرشيدة، والشفافية، والانحياز الحقيقي للناس، كلها خيارات داخلية غائبة. والسلطة التي تتذرع بالخوف على “بقاء الدولة” تبدو في الحقيقة منشغلة ببقاء سلطتها، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الفقر والإحباط وانعدام الأمل.





