الاحتلال يخنق الضفة وسلطة رام الله تتمسك بالتنسيق الأمني

واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال العامين الماضيين تصعيد حملتها القمعية في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون حالة خنق متصاعدة لحياتهم اليومية، بينما تتمسك سلطة رام الله بالتنسيق الأمني مع الاحتلال رغم اتساع دائرة القمع والاستيطان.
وأصبحت الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية واقعاً يومياً يصفه كثير من الفلسطينيين بأنه “الوضع الطبيعي الجديد”، حيث تتكثف عمليات الإغلاق العسكري والحواجز والاستيلاء على الأراضي وتقييد الحركة، ما يجعل الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر صعوبة وتعقيداً.
ويقول فلسطينيون إن نظام الإغلاق الذي يفرضه الاحتلال بات جزءاً من حياتهم اليومية، في ظل انتشار الحواجز العسكرية وإغلاق الطرق بين المدن والقرى، إلى جانب تصاعد اقتحامات الجيش الإسرائيلي وعمليات الاعتقال شبه اليومية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يأتي هذا التصعيد رغم أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تتبنى في السابق سياسة تقوم على تقليل الاحتكاك المباشر في الضفة الغربية لتجنب انفجار الأوضاع.
غير أن هذه السياسة تغيرت بشكل واضح منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث اتجهت دولة الاحتلال إلى توسيع عملياتها العسكرية والأمنية في الضفة الغربية بصورة غير مسبوقة.
وقبيل حلول شهر رمضان هذا العام حذرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حكومتها من احتمال تصاعد التوتر في الضفة الغربية خلال الشهر الفضيل، الذي شهد في السنوات الماضية موجات احتجاج واسعة بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المسجد الأقصى.
لكن سلطات الاحتلال تجاهلت هذه التحذيرات وفرضت قيوداً غير مسبوقة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، حيث لم تمنح سوى عشرة آلاف تصريح فقط لسكان الضفة الغربية خلال رمضان، وهو أدنى مستوى تاريخي.
كما فرضت قيوداً إضافية على الأعمار، حيث سُمح بالدخول للأطفال دون سن الثانية عشرة والرجال فوق سن الخامسة والخمسين والنساء فوق سن الخمسين فقط.
أوضاع الضفة في خضم الحرب على إيران
بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ألغت سلطات الاحتلال جميع التصاريح الخاصة بزيارة المسجد الأقصى خلال رمضان.
وترافق ذلك مع تصعيد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، حيث اقتحم المستوطنون باحات الحرم الشريف أربعاً وعشرين مرة خلال شهر فبراير وحده، وشارك آلاف المستوطنين في طقوس دينية داخل المسجد في انتهاك واضح للوضع القائم في المكان.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل تصعيداً خطيراً قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع في الضفة الغربية، خاصة أن استفزازات مشابهة في المسجد الأقصى كانت سبباً في اندلاع احتجاجات واسعة في الماضي.
وكانت انتفاضة الوحدة عام 2021 مثالاً بارزاً على ذلك، حيث اندلعت احتجاجات واسعة في القدس والضفة الغربية بسبب اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح.
ويرى محللون أن دولة الاحتلال تسعى حالياً إلى فرض واقع جديد في الضفة الغربية يقوم على خلق حقائق ديموغرافية وجغرافية يصعب التراجع عنها.
وتشمل هذه السياسة تهجير آلاف الفلسطينيين من مناطق مختلفة في الضفة الغربية، إضافة إلى هدم المنازل وتوسيع المستوطنات وضم مساحات واسعة من الأراضي بشكل فعلي.
التنسيق الأمني الفلسطيني الإسرائيلي ويكيبيديا
تشير التقديرات إلى أن الاحتلال يعمل على تحويل الضفة الغربية إلى مجموعة من الجيوب الفلسطينية المعزولة داخل مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ويقول باحثون إن الهدف النهائي لهذه السياسة هو دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم تدريجياً تحت ضغط الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه هذا المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية، تواجه الساحة الفلسطينية حالة من الشلل السياسي والمؤسسي.
ويشير مراقبون إلى أن المجتمع الفلسطيني يعاني منذ سنوات من حملة قمع واسعة طالت مؤسسات المجتمع المدني والنشطاء السياسيين والطلاب والنقابيين. كما تعرضت مخيمات اللاجئين في مدن مثل جنين وطولكرم لعمليات اقتحام واسعة وتهجير للسكان خلال الأشهر الماضية.
ورغم هذا التصعيد المتواصل يواصل قادة السلطة الفلسطينية في رام الله التمسك بسياسة التنسيق الأمني مع الاحتلال، وهو ما يثير انتقادات واسعة داخل الشارع الفلسطيني كون أن هذا التنسيق يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً وأمنياً لمواصلة سياساته القمعية في الضفة الغربية.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن قوات الاحتلال نفذت منذ بداية شهر رمضان أكثر من مئتي عملية اعتقال في الضفة الغربية.
كما هدمت القوات الإسرائيلية أكثر من ثلاثمئة منزل ومنشأة فلسطينية منذ بداية العام الجاري.
وفي الوقت نفسه تصاعدت اعتداءات المستوطنين، حيث استشهد خمسة فلسطينيين خلال أسبوع واحد فقط نتيجة هجمات المستوطنين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ويتزامن هذا التصعيد مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نوفمبر المقبل، حيث يطرح قادة اليمين الإسرائيلي مشاريع أكثر تطرفاً لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد دعا علناً إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو وبسط السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية. كما تحدث عن ضرورة اتخاذ خطوات لتشجيع الفلسطينيين على الهجرة من الضفة وقطاع غزة.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات تمثل محاولة واضحة لفرض واقع جديد في الضفة الغربية يقوم على الضم التدريجي للأراضي الفلسطينية وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.





