كاتب بريطاني: الأردن يواجه اختباراً وجودياً للدفاع عن المسجد الأقصى

حذر الكاتب البريطاني بيتر أوبورن من أن الأردن يواجه اختبارا وجوديا في ظل تصاعد المساعي الأمريكية والإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وإنهاء الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، معتبراً أن أي خطوة من هذا النوع قد تدفع المنطقة نحو مواجهة دينية واسعة النطاق.
وقال أوبورن، في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي”، إن المسجد الأقصى يشكل أحد أقدس المواقع الإسلامية، وإن دولة الاحتلال الإسرائيلي سعت منذ قيامها عام 1948 إلى فرض سيطرتها عليه، بينما تصاعدت هذه المحاولات بصورة متزايدة خلال العقود الأخيرة.
وأشار إلى أن اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون للمسجد الأقصى عام 2000 شكّل نقطة تحول رئيسية، إذ أدى إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كما مثّل بداية مرحلة جديدة من التوسع الإسرائيلي داخل الحرم القدسي وتقليص الدور الأردني فيه.
وأوضح الكاتب أن الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى معترف بها قانونياً وتاريخياً، وأن الملك الأردني عبد الله الثاني يُعد المسؤول عن صيانة المسجد والدفاع عنه، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي عمل خلال السنوات الماضية على تقويض هذا الدور تدريجياً وفرض المزيد من القيود على إدارة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى
نقل أوبورن مشاهدات ميدانية من زيارته الأخيرة للمسجد الأقصى، مشيراً إلى الانتشار الواسع لقوات الاحتلال داخل المجمع، ووجود مركز شرطة إسرائيلي في قلبه، إضافة إلى القيود المفروضة على أعمال الصيانة والترميم التي لا يمكن تنفيذها إلا بإذن إسرائيلي مسبق.
كما لفت إلى وجود آثار رصاص على جدران قاعة الصلاة الجنوبية نتيجة إطلاق قوات الاحتلال النار على المصلين خلال أحداث سابقة، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً صارخاً للوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى.
وتطرق الكاتب إلى التقرير الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” بشأن وجود تحركات أمريكية وإسرائيلية تستهدف تجريد الأردن من وصايته على المسجد الأقصى، رغم نفي مسؤول أمريكي لهذه المعلومات.
وأوضح أن الخطة، بحسب مصادر أمريكية وأردنية وفلسطينية، تتضمن منح الاحتلال الإسرائيلي صلاحيات مباشرة في إدارة المسجد، بما يشمل تعيين الأئمة وكبار موظفي الأوقاف والتدخل في مضمون خطب الجمعة.
وأضاف أن الخطة يُقال إن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والسفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي يدفعان باتجاه تنفيذها، مستندين إلى نموذج تقسيم المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل بعد مجزرة عام 1994 التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين.
فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي
أشار أوبورن إلى أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يواصل اقتحام المسجد الأقصى بصورة متكررة، في إطار محاولات اليمين الديني المتطرف فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي، بينما تسعى جماعات استيطانية متطرفة إلى هدم قبة الصخرة وإقامة ما تسميه “الهيكل الثالث” مكانها.
ورأى الكاتب أن أخطر ما في المرحلة الحالية يتمثل في التغير الذي طرأ على موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، موضحاً أن جهاز الشاباك كان ينظر تقليدياً إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً خطيراً قد يؤدي إلى إشعال حرب دينية شاملة، إلا أن هذا الموقف بدأ يتراجع تحت ضغط حكومة بنيامين نتنياهو وتحالفاتها مع اليمين الديني المتطرف.
وفي معرض حديثه عن الخيارات المتاحة أمام الأردن، قال أوبورن إن بعض الدوائر في عمّان قد تدعو إلى تجنب المواجهة بسبب اعتماد المملكة على الاحتلال الإسرائيلي في ملفات الأمن والمياه، إلا أنه أشار في المقابل إلى وجود تيار واسع يرى أن الدفاع عن المسجد الأقصى يمثل جزءاً من الشرعية التاريخية والدينية للدولة الأردنية والأسرة الهاشمية.
واستشهد الكاتب بورقة رسمية أردنية صدرت قبل سنوات حول المسجد الأقصى، أكدت أن الدفاع عن المقدسات الإسلامية في القدس يمثل واجباً تاريخياً ودينياً للهاشميين، وأن آلاف الجنود الأردنيين قدموا أرواحهم دفاعاً عن فلسطين والقدس خلال العقود الماضية.
كما أشار إلى أن الوثيقة تؤكد أن الدفاع عن المسجد الأقصى واجب على المسلمين كافة، وأن الوصي على المقدسات يمتلك الحق في تحديد الوسائل المناسبة لحمايتها عند الضرورة.
وأضاف أوبورن أن الأردن سبق أن أبلغ واشنطن وتل أبيب، وفق تقارير سابقة، استعداده لاتخاذ خطوات تصعيدية إذا أقدمت دولة الاحتلال على تهجير الفلسطينيين قسراً نحو الأراضي الأردنية، معتبراً أن أي مساس بالمسجد الأقصى قد يدفع المملكة إلى مواقف أكثر حدة.
وختم الكاتب بالقول إن الملك عبد الله الثاني يواجه لحظة مصيرية بين القبول بالأمر الواقع الذي تسعى إليه دولة الاحتلال والولايات المتحدة، أو خوض مواجهة دفاعاً عن المسجد الأقصى، محذراً من أن تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي قد يشعل صراعاً دينياً يتجاوز حدود فلسطين والأردن ليشمل المنطقة بأسرها.





