دوافع عباس لإجراء الانتخابات التشريعية وتحديات فتح لخوض الاستحقاق

أصدر رئيس سلطة رام الله محمود عباس مرسوماً يقضي بإجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية خلال الثلث الأول من عام 2027، وذلك بعد عرقلته الانتخابات العامة لنحو عشرين عاما ما يسلط الضوء على دوافع القرار.
فقد فتح مرسوم عباس بشأن الانتخابات التشريعية باباً واسعاً للتساؤلات حول دوافع القرار وإمكانية تنفيذه، فضلاً عن قدرة حركة فتح على خوض هذا الاستحقاق في ظل انقساماتها الداخلية غير المسبوقة.
ويأتي الإعلان في لحظة سياسية وأمنية معقدة يعيشها الفلسطينيون، وسط استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، وهو ما يجعل الانتخابات، إذا جرت، اختباراً حقيقياً للنظام السياسي الفلسطيني أكثر من كونها مجرد استحقاق دستوري.
دوافع عباس لإجراء الانتخابات
يبرز المحلل السياسي من رام الله هاني المصري، أن قرار عباس لا ينفصل عن الضغوط العربية والدولية المتزايدة لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني ضمن ما يوصف بمرحلة “اليوم التالي” للحرب على غزة.
وبحسب المصري فقد باتت مسألة تجديد الشرعيات شرطاً تطرحه أطراف دولية وإقليمية لإعادة تفعيل الدعم السياسي والمالي للسلطة والمضي في أي ترتيبات تتعلق بإدارة الأراضي الفلسطينية مستقبلاً.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات جزءاً من محاولة السلطة تقديم نفسها كشريك قادر على تنفيذ أجندة الإصلاح التي تطالب بها العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية، خاصة بعد الانتقادات المتكررة لأداء مؤسسات السلطة وغياب الرقابة التشريعية منذ حل المجلس التشريعي عام 2018.
لكن مفهوم “الإصلاح” الذي تتبناه السلطة يظل محل جدل واسع داخل الساحة الفلسطينية.
فبينما ترى قيادة السلطة أن الانتخابات تمثل مدخلاً لتجديد المؤسسات، تجمع الفصائل على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وإجراء مراجعة شاملة للنهج السياسي، وليس الاكتفاء بإجراء انتخابات ضمن البنية السياسية القائمة.
ويبدو أن الرئيس عباس يسعى أيضاً إلى ترتيب مرحلة انتقال السلطة داخل حركة فتح والنظام السياسي الفلسطيني بطريقة مؤسسية، بما يضمن استمرار المؤسسات الرسمية ويخفف من احتمالات حدوث فراغ سياسي في المستقبل، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد عباس.
تحديات فتح قبل الانتخابات التشريعية
يتعلق التحدي الأكبر بشأن قرار إجراء الانتخابات، بقدرة حركة فتح على خوضها وهي تواجه واحدة من أكثر مراحلها انقساماً منذ تأسيسها.
وينبه المصري إلى أن المؤتمر الثامن لحركة فتح الذي انعقد مؤخرا وكان يفترض أن يعزز وحدتها الداخلية، عمّق الخلافات بين أجنحتها المختلفة، وأنتج حالة من التذمر داخل قواعد الحركة، مع استمرار وجود شخصيات مفصولة وأخرى مهمشة، إضافة إلى قيادات تاريخية تشعر بأنها أُبعدت عن مراكز القرار.
وتفتح هذه الانقسامات الباب أمام سيناريو تكرار تجربة انتخابات عام 2006، عندما ساهم تشتت الأصوات داخل حركة فتح في خسارتها الأغلبية البرلمانية أمام حركة حماس.
وتتزايد التوقعات بإمكانية ظهور أكثر من قائمة محسوبة على فتح، سواء بقيادة شخصيات تنظيمية سابقة، أو عبر شخصيات مستقلة تحظى بامتدادات عشائرية أو مناطقية، وهو ما قد يؤدي إلى تشتيت الكتلة التصويتية التقليدية للحركة.
ويضاف إلى ذلك احتمال مشاركة “التيار الإصلاحي” بقيادة محمد دحلان بقائمة مستقلة، مستفيداً من حضوره في بعض المخيمات والمناطق، إلى جانب إمكانية تشكيل قائمة يقودها أو يدعمها الأسير مروان البرغوثي، الذي لا يزال يحظى بشعبية واسعة وفق استطلاعات الرأي، رغم استمرار احتجازه في السجون الإسرائيلية.
ويُنظر إلى البرغوثي باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على منافسة مرشحي المؤسسة الرسمية، إلا أن ترشحه للرئاسة أو حتى مشاركته الفعلية في الانتخابات يبقى مرتبطاً بموقف الاحتلال الإسرائيلي، الذي قد يمنع ترشحه أو يفرض قيوداً على حملته الانتخابية.
كما يمثل تعديل نسبة الحسم إلى 1% عاملاً إضافياً قد يعقد المشهد الانتخابي، إذ يشجع على تشكيل عشرات القوائم الصغيرة، سواء ذات الطابع السياسي أو العائلي أو المناطقي، ما قد يؤدي إلى برلمان شديد التشرذم يصعب معه تشكيل أغلبية مستقرة أو إنتاج حكومة قوية.
ويرى المصري أن انخفاض نسبة الحسم قد يحول الانتخابات من منافسة بين برامج سياسية وطنية إلى سباق بين شخصيات محلية ومراكز نفوذ ورجال أعمال وقوى اجتماعية، بما يضعف دور الأحزاب التقليدية ويزيد من حالة التفتت داخل المجلس التشريعي المقبل.
وفي المقابل، لا تزال هناك عقبات سياسية وقانونية وأمنية قد تعرقل إجراء الانتخابات من الأساس، أبرزها الموقف الإسرائيلي من تنظيم الاقتراع في القدس الشرقية، وإمكانية مشاركة القوى الفلسطينية كافة، إضافة إلى استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويخلص المصري إلى أن الانتخابات بموجب مرسوم عباس محاولة لإعادة إنتاج الشرعية المتهالكة، وتكشف حجم التحديات التي تواجه حركة فتح والسلطة في الحفاظ على تماسكهما الداخلي.





