سقوط سياسة “سحب الذرائع”: إسرائيل تنهي وهم سلطة رام الله وتضم الضفة فعلياً

رغم تبني سلطة رام الله نهج سحب الذرائع وترويجها بأن التنسيق الأمني أو “الاعتدال السياسي” يشكّل شبكة أمان للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي تتغول في عدوانها الاستيطاني عبر سياسة الضم الفعلية والكاملة.
إذ أن القرارات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية المصغّرة (الكابينت) لم تترك شيئاً من وهم سلطة رام الله قائماً، وأسقطت عملياً نهج “سحب الذرائع” بعد أن تبيّن أن الذريعة لم تكن يوماً هي المشكلة بل المشروع نفسه.
فما جرى قبل أيام لا يمكن وصفه إلا بأنه ضمّ كامل للضفة الغربية بالقانون الإسرائيلي بعد أن ألغى “الكابينت” القيود القانونية التي كانت نظرياً تحمي الملكيات الفلسطينية من استيلاء المستوطنين، ونسف ما تبقى من صلاحيات السلطة حتى في مناطق “أ” و”ب”، وهي أصلاً كانت أشبه بجزر معزولة بلا سيادة.
بموجب ذلك لم يعد للسلطة رأي في التنظيم، أو الهدم، أو إعادة البناء، ولا في المياه ولا في المواقع الأثرية حيث كل ذلك انتقل مباشرة إلى الإدارة الإسرائيلية، وكأن اتفاقات أوسلو لم تكن سوى ورقة مؤقتة انتهت صلاحيتها.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
بحسب مراقبين وجدت سلطة رام الهل نفسها محشورة في الزاوية التي اختارتها بنفسها، بفعل سنوات طويلة أمضتها وهي “تُحسّن السلوك”، وتنسّق أمنياً، وتشيطن كل أشكال المقاومة، بل ويصل الأمر برئيسها إلى شتم خصومه السياسيين علناً، في محاولة لإثبات حسن النية أمام الاحتلال.
فالنتيجة هي أن دولة الاحتلال لم تكافئ هذا المسار، بل ألغته بالكامل، وتولت إدارة أدق تفاصيل حياة الفلسطينيين، من تصاريح البناء إلى مصادر المياه، ومن الحواجز إلى السجل السكاني.
والأخطر أن هذه الخطوة لا تُعدّ رد فعل على أحداث بعينها، ولا وليدة عملية “طوفان الأقصى” كما يحاول خصوم المقاومة تسويق الأمر، كون أن مشروع ضمّ الضفة قديم، بقدم الائتلاف اليميني المتطرف الذي يقوده بنيامين نتنياهو منذ سنوات.
ولم يخف وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يوماً شعارهم الواضح بأن “الضفة جزء من أرض إسرائيل”، فيما الجديد اليوم ليس الفكرة، بل ترجمتها القانونية والإدارية على الأرض.
الضفة الغربية ساحة مفتوحة
قبل 7 أكتوبر 2023، كانت دولة الاحتلال قد دخلت مرحلة نزع الإنسانية الكاملة عن الفلسطينيين فيما التصريحات العنصرية مثل وصف وزير الجيش يوآف غالانت للفلسطينيين بأنهم “حيوانات”، شكلت تعبيراً عن عقل سياسي وأمني بات سائداً.
لذلك لا غرابة في غياب أي معارضة إسرائيلية حقيقية، حزبية أو شعبية، لقرارات الكابينت الأخيرة بما يكرس بأن الضفة صارت ساحة مفتوحة، والعنف ضد أهلها نشاطاً يومياً مشروعاً.
وبعد السابع من أكتوبر، تحوّلت اعتداءات المستوطنين إلى روتين منظم من اقتحام بيوت، إلى إحراق حقول، وسرقة ماشية، وإقامة حواجز مسلحة، وتهجير قسري تحت حماية الجيش.
وترسم الأرقام الأممية صورة قاتمة في ظل توثيق أكثر من ألف شهيد في الضفة، آلاف الجرحى، عشرات آلاف المعتقلين، تدمير آلاف المنازل، وإفراغ مخيمات بأكملها مثل جنين ونور شمس وبلاطة من سكانها في تهجير بطيء، متدرج، لكنه لا يقل فتكاً عن التدمير الشامل في غزة.
ورغم هذا الخراب، بقيت الضفة خارج دائرة الضوء، حيث غزة التهمت الاهتمام، بينما كانت الضفة تُدمَّر على مهل، بلا ضجيج وتمنح بيانات استنكار خجولة عربية ودولية، لا توقف جرافة ولا تعيد بيتاً.
ويبرز المراقبون أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة كشفت الحقيقة العارية بان نهج سلطة رام الله فشل فشلاً ذريعاً وأن نهج “سحب الذرائع” لم يسحب شيئاً، لأن الذريعة لم تكن السلاح ولا المقاومة ولا الخطاب بل كانت دائماً وجود الفلسطيني نفسه.
ومع سقوط هذا النهج، لم تعد الضفة محتلة فقط، بل مضمومة فعلياً، فيما تُترك السلطة شاهداً على مرحلة انتهت، ودليلاً حيّاً على أن الرهان على رضا الاحتلال كان، منذ البداية، رهانا خاسراً.





