تحليلات واراء

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.. مخاوف من “شرعية مفصلة” تعيد إنتاج الواقع القائم

أثار قرار رئيس سلطة رام الله محمود عباس التوجه نحو إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل جدلاً واسعاً بشأن أهداف الخطوة وتوقيتها، وسط تحذيرات من تحويلها من فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني إلى مسار يمنح شرعية جديدة بإعادة إنتاج الواقع القائم وتكريس حالة الانقسام والتفرد بالقرار.

ورغم الترويج الرسمي للانتخابات باعتبارها محطة لإحياء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتجديد شرعيتها، يرى مراقبون أن الظروف السياسية والتنظيمية المحيطة بها تجعلها أقرب إلى “فخ سياسي” ما لم تُجرَ ضمن سياق وطني مختلف يقوم على الشراكة وإنهاء الانقسام وضمان انتخابات حرة وشاملة.

وبهذا الصدد حذر هاني المصري، مدير مركز مسارات للأبحاث والدراسات في رام الله، من أن الانتخابات بصيغتها المطروحة تحمل إشكاليات جوهرية قد تحولها إلى عملية لإعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، مشيراً إلى أنها ستجري تحت واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي يتحكم بمختلف تفاصيل الحياة الفلسطينية.

ورأى المصري أن الاحتلال أنهى عملياً اتفاق أوسلو لكنه لم يدفنه رسمياً، بهدف إبقاء الالتزامات الفلسطينية قائمة دون تحمل تبعات انهياره، الأمر الذي يجعل أي عملية سياسية أو انتخابية تجري تحت قيود الاحتلال عرضة للتدخل والتعطيل.

إشكاليات انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني

تتمثل أولى الإشكاليات، بحسب هذا الطرح، في فرض شرط سياسي مسبق على المرشحين والمشاركين يتمثل في الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها والشرعية الدولية، رغم أن هذه المسارات وصلت إلى نتائج معاكسة لما كان الفلسطينيون يأملون تحقيقه بعد عقود من العملية السياسية.

وتبرز إشكالية ثانية مرتبطة بتكليف لجنة الانتخابات التابعة للسلطة الفلسطينية بالإشراف على انتخابات المجلس الوطني، رغم أن المنظمة يفترض أنها الإطار الأعلى والمرجعية السياسية للسلطة، وليس العكس، ما يثير تساؤلات بشأن استقلالية العملية الانتخابية وحدود الفصل بين المؤسستين.

كما تثير آلية تشكيل المجلس مخاوف إضافية مع الحديث عن إمكانية تعيين عدد كبير من الأعضاء، خصوصاً ممثلي الخارج الذين قد يصل عددهم إلى نحو 150 عضواً، ما يعني أن جزءاً واسعاً من المجلس لن يأتي عبر صناديق الاقتراع.

وتتصاعد المخاوف أيضاً من تكرار نماذج سابقة شهدت اتهامات بالتدخل والتحكم بالنتائج، خصوصاً في ظل غياب قوى سياسية وازنة قد تقاطع الانتخابات بسبب الشروط السياسية المفروضة، وعلى رأسها حركة حماس، الأمر الذي قد يضعف الرقابة الداخلية ويحول الانتخابات إلى منافسة محدودة داخل أطراف متقاربة.

انتخابات منظمة التحرير والانقسام الداخلي

تطرح مشاركة الفلسطينيين في الخارج تحدياً آخر، إذ يؤكد مراقبون أنه لو توفرت إرادة جدية لإجراء انتخابات شاملة، لكان العمل بدأ منذ فترة طويلة لإعداد سجل انتخابي للفلسطينيين في الشتات، وفتح حوارات مع الدول التي توجد فيها تجمعات فلسطينية كبيرة.

وتبرز في هذا السياق قضية الفلسطينيين المقيمين في الأردن ممن لا يحملون الجنسية الأردنية ويقدر عددهم بنحو مليون شخص، إضافة إلى الجاليات الفلسطينية في الدول العربية والأجنبية، وسط غياب تصور واضح لآلية مشاركتهم.

وتأتي هذه الانتخابات أيضاً في ظل انقسام فلسطيني متعمق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتصاعد خطاب الإقصاء والتخوين بين القوى السياسية، ما يجعل البعض يخشى من تحويل الانتخابات إلى أداة لحسم الصراع الداخلي وإقصاء الخصوم بدلاً من كونها مدخلاً لبناء وحدة وطنية.

ويعتبر المصري أن الانتخابات تحتاج أولاً إلى مشروع وطني جامع ومؤسسة تمثيلية موحدة، خصوصاً في ظل الفصل المتزايد بين الضفة وغزة والقدس، وغياب أي صيغة تضمن مشاركة الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 بطريقة مناسبة.

كما يأتي الإعلان عن الانتخابات وسط ظروف كارثية يعيشها قطاع غزة بعد الحرب، وأزمات متفاقمة في الضفة الغربية، ما يجعل الأولوية هي توفير مقومات الصمود والبقاء ومواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية عبر الاستيطان والضم والتهجير ومحاولات فرض بدائل سياسية تمس بوحدانية تمثيل منظمة التحرير.

وتبقى إشكالية تدخل الاحتلال حاضرة بقوة، إذ تشير تجارب سابقة إلى قدرة الاحتلال الإسرائيلي على التأثير في العملية السياسية الفلسطينية، سواء عبر الاعتقالات أو منع الحركة أو رفض النتائج إذا جاءت بعكس مصالحها، كما حدث بعد انتخابات عام 2006 عندما اعتُقل عدد من النواب المنتخبين.

ويؤكد المصري أن تجاوز الانتخابات الرئاسية والتشريعية والانتقال مباشرة إلى انتخابات المجلس الوطني يطرح علامات استفهام، خاصة أن الانتخابات العامة كانت أكثر إلحاحاً وأقرب للتنفيذ بحكم وجودها ضمن الاتفاقات السابقة.

وتذهب هذه الانتقادات إلى أن القيادة الحالية إما لا تريد انتخابات حقيقية، أو تريد انتخابات مضمونة النتائج مسبقاً لإنتاج شرعية جديدة تحافظ على الوضع السياسي القائم، مع إمكانية تأجيلها أو إلغائها إذا ظهرت نتائج غير مرغوبة، كما حدث مع انتخابات عام 2021.

ويشدد المصري على أن إصلاح المسار يقتضي تحرك وطني واسع يضع شروطاً واضحة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها، ضمن خطة إنقاذ وطنية تعيد بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس الشراكة.

وينبه إلى أن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً للتغيير فقط إذا جاءت في إطار إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وليس باعتبارها إجراءً شكلياً يمنح غطاء جديداً لأزمة سياسية مستمرة منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى