تحليلات واراء

هكذا توفر “إسرائيل” ملاذًا آمنًا لكبار الفاسدين في سلطة رام الله

كشفت مصادر مطلعة أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تزال توفر ملاذًا آمنًا لكبار الفاسدين في سلطة رام الله، من خلال حماية الحسابات السرية المرتبطة ببعضهم حول العالم، بما في ذلك حسابات سبق أن ارتبطت ببنك لئومي الإسرائيلي.

وأكدت المصادر أن دولة الاحتلال لا تقف بعيدًا عن منظومة الفساد التي نشأت داخل السلطة بل ساهمت بطرق مباشرة وغير مباشرة، في تعزيز بيئة تسمح بازدهارها واستمرارها، ثم استغلت هذه الظاهرة سياسيًا واقتصاديًا.

وبينما يُحمَّل الفلسطينيون مسؤولية أزماتهم الاقتصادية تحت عنوان الفساد وسوء الإدارة، تشير تقارير دولية إلى أن القيود والسياسات الإسرائيلية والاحتلال والاستيطان ومصادرة الموارد لعبت دورًا هائلًا في تدمير الاقتصاد الفلسطيني وإعاقة نموه.

ومع أن الفساد داخل مؤسسات السلطة ألحق أضرارًا واسعة بالاقتصاد والثقة العامة، فإن الأزمة الفلسطينية لا يمكن فصلها عن منظومة السيطرة الإسرائيلية التي تتحكم في الأرض والمعابر والتجارة والحركة والموارد وحتى جزء أساسي من الإيرادات العامة الفلسطينية.

ففي أحدث تقاريرها، أكدت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أن الاقتصاد الفلسطيني تكبد خسائر هائلة نتيجة الاحتلال والقيود العسكرية والاستيطان وتقييد الوصول إلى الموارد والأسواق، وقدرت دراسة حديثة الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الفلسطيني بين عامي 2000 و2024 بأكثر من 212 مليار دولار من الناتج المحتمل المفقود.

الحسابات السرية

تعود واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل إلى السنوات الأولى التي أعقبت إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994.

فخلال تسعينيات القرن الماضي، ظهرت تقارير عن حسابات مصرفية سرية مرتبطة بقيادة السلطة كان أحد أبرزها حساب في فرع بنك لئومي في تل أبيب.

وفي يونيو/حزيران 1997، نقلت تقارير صحفية إسرائيلية ودولية أن دولة الاحتلال أودعت عشرات الملايين من الدولارات في حساب سري مرتبط بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وأن الأموال كانت ناتجة عن إيرادات وضرائب جمعتها تل أبيب وكان يفترض تحويلها إلى السلطة وفق الترتيبات المالية التي أعقبت اتفاق أوسلو.

ونقلت وكالة “جويش تلغرافك إيجنسي” آنذاك عن صحيفة “هآرتس” أن نحو 160 مليون دولار أودعت منذ عام 1994 في حساب سري في بنك لئومي، وأن عدد الأشخاص المخولين بالتصرف بالأموال كان محدودًا للغاية.

كما وثقت دراسات استندت إلى مصادر وتقارير تناولت تلك المرحلة، أن جزءًا من الأموال التي وصلت إلى حسابات سرية لمسؤولين فلسطينيين جاء من الضرائب التي كانت دولة الاحتلال تجبيها على الواردات الفلسطينية ثم تحولها إلى حسابات بعينها، مشيرة إلى تقارير تحدثت عن تحويل 125 مليون دولار بين عامي 1994 و1997، وعن مئات الملايين من الدولارات إلى حسابات فلسطينية في بنوك إسرائيلية خلال عام 1997 وحده.

وشدد الدراسات على أن وجود حسابات مالية سرية واتهامات بسوء استخدام الأموال العامة في تلك المرحلة لم يكن مجرد شائعة سياسية.

ففي عام 1997، هز تقرير رقابي فلسطيني مؤسسات السلطة بعد أن كشف عن فقدان أو إساءة استخدام نحو 326 مليون دولار، وهو مبلغ قارب 40% من ميزانية السلطة في ذلك الوقت.

وأفادت تقارير صحفية دولية بأن تقريرًا رقابيًا داخليًا، امتد إلى مئات الصفحات، تناول مخالفات مالية وإدارية واسعة، وتحدث عن أموال أسيء استخدامها أو أهدرت داخل الوزارات والمؤسسات الرسمية.

ويشير تقرير للبنك الدولي، تناول لاحقًا مسألة الحوكمة والإصلاح في السلطة إلى أن تقرير المراقب المالي الفلسطيني لعام 1997 وجد أن ما لا يقل عن 326 مليون دولار من الأموال العامة قد أسيء استخدامها أو أهدرت نتيجة الفساد وسوء الإدارة.

ويبرز باحثون أن المشكلة ارتبطت ببنية سياسية واقتصادية أوسع تشكلت قبل قيام السلطة الفلسطينية واستمرت بعدها.

نظام التنفيع

لا ينبغي النظر إلى الفساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية باعتباره مجرد اختلاس أو محسوبيات يرتكبها أفراد سعوا إلى تحقيق مكاسب شخصية.

فالمشكلة، وفق دراسات تناولت بنية النظام السياسي الفلسطيني، أعمق من ذلك، وترتبط بنظام من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يقوم على إعادة توزيع الموارد والوظائف والامتيازات مقابل الولاء السياسي.

ويسمح هذا النظام، الذي يعرف في الأدبيات السياسية بـ”التنفيع”، للنخبة الحاكمة بتوسيع شبكات المؤيدين، من خلال الوظائف العامة والامتيازات الاقتصادية والمناصب والنفوذ.

وفي المقابل، يؤدي ذلك إلى تراجع معيار الكفاءة، وتعزيز المحسوبية، وخلق طبقة واسعة من المستفيدين المرتبطين بالمراكز السياسية والاقتصادية النافذة.

وقد ورثت السلطة الفلسطينية جزءًا من هذه البنية عن منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تتوسع الشبكات بعد اتفاق أوسلو مع تضخم المؤسسات العامة والاعتماد الكبير على التمويل الخارجي.

وهنا يبرز الدور الإسرائيلي بصورة أكثر تعقيدًا. فالاقتصاد الفلسطيني لم ينشأ في بيئة مستقلة تسمح بوجود مؤسسات مالية واقتصادية منفصلة تمامًا، بل تشكل في ظل منظومة تفرض فيها إسرائيل سيطرة واسعة على الحدود والمعابر وحركة الأفراد والبضائع وجزء كبير من الموارد الطبيعية والأراضي.

كما أن بروتوكول باريس الاقتصادي وما تبعه من ترتيبات جعل دولة الاحتلال الجهة التي تجمع جزءًا من إيرادات الضرائب والجمارك نيابة عن السلطة الفلسطينية، قبل تحويلها إليها.

وهذا النظام منح سلطات الاحتلال قدرة استثنائية على التحكم في شريان مالي رئيسي للسلطة، حيث استخدمته تل أبيب طوال السنوات الماضية في عمليات حجب واقتطاع وتحويل جزئي لأموال المقاصة، ما أدى إلى أزمة مالية خانقة في مؤسسات السلطة.

وتقدر “أونكتاد” أن الاقتطاعات والتجميد المتراكمين للإيرادات الفلسطينية بين يناير/كانون الثاني 2019 وأبريل/نيسان 2025 بلغ نحو 1.76 مليار دولار، وهو ما يعادل نسبة كبيرة من الإيرادات العامة الفلسطينية.

وبذلك، فإن دولة الاحتلال لا تتحكم فقط في جانب كبير من البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها السلطة، بل تمتلك أيضًا القدرة على الضغط المباشر على ماليتها العامة.

احتكارات وشراكات

كما لعبت العلاقة الاقتصادية بين مسئولين كبلر في السلطة ورجال أعمال فلسطينيين نافذين وشركات إسرائيلية دورًا في تشكيل بعض قطاعات الاقتصاد الفلسطيني.

وتشير دراسات سياسية واقتصادية إلى أن الاحتكارات التي نشأت في بعض القطاعات لم تكن بمعزل عن منظومة الاحتلال والقيود المفروضة على السوق الفلسطينية، إذ إن السيطرة الإسرائيلية على المعابر والاستيراد والتراخيص وحركة البضائع جعلت الوصول إلى بعض القطاعات الاقتصادية مرتبطًا بشبكات سياسية واقتصادية محددة.

وبهذا المعنى، فإن الفساد الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي لا يمكن فصلهما بصورة كاملة. فإسرائيل تستطيع الاستفادة من وجود سلطة ضعيفة اقتصاديًا، تعتمد على تحويلات مالية تمر عبر قنوات تخضع في النهاية لسيطرتها أو تأثيرها، فيما تسمح بنية السلطة المركزية للنخب النافذة بالسيطرة على موارد وفرص اقتصادية محدودة.

وتقول المصادر المطلعة إن الدور الإسرائيلي في السنوات الأخيرة أصبح أقل وضوحًا مقارنة بما كان عليه خلال مرحلة الحسابات السرية في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن دولة الاحتلال ما تزال تمثل بالنسبة لبعض الشخصيات الفلسطينية النافذة بيئة آمنة لحماية المصالح والأموال والعلاقات الاقتصادية.

ولا تتوفر مستقلة تكشف بصورة شاملة الحسابات الحالية أو أسماء جميع المستفيدين منها، لكن الوقائع التاريخية المتعلقة بالحسابات السرية، إلى جانب استمرار السيطرة الإسرائيلية على جزء أساسي من النظام المالي والتجاري الفلسطيني، تكشف حجم النفوذ الذي تمتلكه إسرائيل في هذا المجال.

في المقابل، ما تزال أزمة الفساد داخل السلطة الفلسطينية تمثل أحد أبرز أسباب فقدان الثقة الشعبية.

وقد استخدمت الحكومات الإسرائيلية اتهامات الفساد لتبرير تدخلات وضغوط سياسية على قيادة السلطة، خصوصًا خلال الانتفاضة الثانية وما بعدها، في وقت كانت تواصل فيه فرض القيود على الاقتصاد الفلسطيني والسيطرة على الموارد والأراضي والمعابر.

وتكشف هذه المعطيات أن الفساد في سلطة رام الله لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والاقتصادية التي نشأت في ظل اتفاق أوسلو والاحتلال الإسرائيلي.

فمن جهة، توجد شبكات نفوذ فلسطينية استغلت الوظائف العامة والموارد والاحتكارات والعلاقات السياسية لتحقيق مكاسب خاصة. ومن جهة أخرى، حافظ الاحتلال على سيطرة واسعة على الاقتصاد الفلسطيني، وعلى مفاتيح حركته وإيراداته، واستفاد من حالة الضعف والانقسام المؤسسي.

وتبقى قضية الحسابات السرية في تسعينيات القرن الماضي واحدة من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التشابك، بعدما كشفت تقارير عن تحويل أموال جمعتها دولة الاحتلال إلى حسابات خاصة أو سرية مرتبطة بالقيادة الفلسطينية، من بينها حساب في بنك لئومي الإسرائيلي.

وبينما تغيرت الوجوه والظروف خلال العقود الثلاثة الماضية، بقيت المشكلة الأساسية قائمة: سلطة فلسطينية تعاني ضعف الرقابة والمساءلة، واقتصاد يفتقر إلى الاستقلال، واحتلال يمتلك القدرة على التحكم في الأرض والمعابر والموارد والإيرادات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى