معالجات اخبارية

خطيئة عباس الكبرى: تعديل المناهج الدراسية بما يلائم إملاءات الاحتلال

بموازاة التمسك بنهج التنسيق الأمني ومحاربة كل أشكال المقاومة ورعاية الانقسام الداخلي، فإن رئيس سلطة رام الله محمود عباس شهد خطيئة أكبر تتمثل في تعديل المناهج الدراسية الفلسطينية بما يلائم إملاءات الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه.

فقد تحولت المناهج الدراسية الفلسطينية خلال السنوات الماضية إلى ساحة صراع سياسي مفتوحة، بعدما دخلت دولة الاحتلال ومراكز بحثية ومنظمات ضغط أمريكية وأوروبية على خط مراقبة المحتوى الفلسطيني وتحليله ورفعه إلى الحكومات والبرلمانات والجهات المانحة، في مسار انتهى بتحويل إصلاح المناهج إلى ملف سياسي ومالي مرتبط بعلاقة سلطة رام الله بالمانحين وبالموقف الإسرائيلي من الرواية الفلسطينية.

وفي مسعاه المستمر للحفاظ على الكرسي والنفوذ فقط، شهد عهد عباس، استجابة كاملة للضغوط الرامية إلى إعادة صياغة ما يتصل بفلسطين والاحتلال والمقاومة والشهادة والقدس والخرائط.

وتشير مراجعات لمعهد “إمباكت-سي” اليهودي إلى أنها شملت مئات الكتب وأدلة المعلمين المستخدمة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بما في ذلك كتب تستخدم في مدارس الأونروا، وركزت على خرائط فلسطين، وصورة اليهود، والشهادة والمقاومة، إلى جانب الطريقة التي يظهر بها الصراع داخل مواد لا تصنف عادة على أنها سياسية، مثل العلوم والرياضيات.

حظر حتى صورة مواجهة الاحتلال بالحجارة

أصبح حتى المثال المستخدم في شرح قانون فيزيائي داخل كتاب مدرسي مادة للمساءلة السياسية الأوروبية. ففي سؤال برلماني قدمه النائب موريتس كورنر في 9 أبريل 2025، أثير اعتراض على استخدام صورة لفلسطينيين يقذفون الحجارة بالمقاليع باتجاه جنود إسرائيليين أثناء شرح قانون نيوتن الثاني للحركة، مع مطالبة المفوضية الأوروبية بتوضيح ما إذا كانت الصورة قد أزيلت من المناهج.

وتظهر وثائق البرلمان الأوروبي أن السؤال دخل ضمن الجدل السياسي الأوسع حول مضمون الكتب المدرسية الفلسطينية.

وفي القدس المحتلة، يأخذ الصراع على المناهج شكلاً أكثر مباشرة، إذ توثق تقارير متخصصة تدخلات إسرائيلية في الكتب المعدلة، وحذف إشارات إلى التاريخ والتراث والرواية الوطنية الفلسطينية من بعض كتب الدراسات الاجتماعية، في سياق حملة تغيير للمناهج وفرض المناهج الإسرائيلية على المدارس الفلسطينية في المدينة المحتلة.

وامتد التدقيق إلى مفاهيم مثل الرباط والجهاد والشهادة والمقاومة. فقد انتقدت تقارير إسرائيلية سابقة ما اعتبرته تحويل الصراع إلى مواجهة دينية، كما هاجمت درساً عن الشهيدة دلال المغربي في كتاب اللغة العربية للصف الخامس، وطريقة تقديمها للطلاب بوصفها “بطلة وشهيدة”، واعترضت على درس في التربية الإسلامية حول أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية.

شبكة إسرائيلية عابرة للحدود

تكشف الوقائع، عن شبكة أوسع لمراقبة المناهج العربية امتدت على مدى نحو ثلاثة عقود وشملت 17 دولة عربية.

فقد جمعت مؤسسات إسرائيلية المواد التعليمية العربية وترجمتها وصنفتها، قبل أن تنتقل نتائج هذه المراجعات إلى حكومات وبرلمانات ووزارات خارجية وجهات مانحة غربية، بهدف الدفع نحو تغييرات تتعلق بصورة اليهود وإسرائيل والصهيونية، وخرائط فلسطين، والقدس والمسجد الأقصى، والجهاد والشهادة والمقاومة والهولوكوست.

وتظهر في هذه الشبكة مؤسسات مثل “إمباكت-سي”، التي تأسست عام 1998 وتقدم نفسها بوصفها مؤسسة بحثية وسياساتية غير حكومية، إضافة إلى “مراقبة الإعلام الفلسطيني”، ومراكز بحثية أخرى شاركت في مراجعة الكتب الفلسطينية والعربية.

ويلاحظ أن بعض هذه المؤسسات حصل على تعاقدات حكومية أو تمويل من جهات أمريكية وأوروبية، في وقت يصعب فيه تحديد ميزانياتها بصورة كاملة.

وقد تحولت المؤسسات البحثية إلى أدوات ضغط سياسي، حيث أن منظمة “مراقبة الإعلام الفلسطيني” استخدمت تقاريرها أمام الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي والجهات المانحة، بينما شاركت اللجنة اليهودية الأمريكية في نشر دراسة عن الكتب الفلسطينية عام 2008 وطالبت بحجب جزء من التمويل الأوروبي عن السلطة إذا لم تُعدل المناهج. وفي عام 2019 أعلنت بريطانيا دعمها لمراجعة دولية للمناهج الفلسطينية.

وتظهر وثائق الاتحاد الأوروبي أن الضغط لم يكن مجرد نقاش أكاديمي، إذ وقعت السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي في يوليو 2024 خطاب نوايا تضمن برنامجاً للإصلاح، وشمل إصلاح قطاع التعليم ومراجعة الكتب بما يتوافق مع معايير اليونسكو.

وأكدت المفوضية الأوروبية لاحقاً أن الإصلاح التعليمي يتضمن مراجعة الكتب المدرسية، مع تحديد مراحل زمنية للصفوف المختلفة، وقالت إن السلطة التزمت بإجراءات إصلاحية وبدأت عملية مراجعة مستمرة للكتب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى