أول بيان سوري–إسرائيلي مشترك في التاريخ: تآكل الموقع السوري في معادلة فلسطين

للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، يصدر بيان رسمي مشترك يحمل تواقيع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي وحكومة سورية، ويؤسس لآلية تنسيق أمني واستخباراتي واقتصادي بين دمشق وتل أبيب.
ويجمع مراقبون على أن الحدث يشكّل انعطافة سياسية عميقة في موقع سوريا الإقليمي، وتحديدًا في علاقتها التاريخية بالقضية الفلسطينية باعتباره يمثل انقلابا سياسيا صامتا ويعبر عن تآكل الموقع السوري في معادلة فلسطين.
فالبيان الذي صدر عقب مفاوضات مباشرة في باريس، برعاية أمريكية، أسس لـ”خلية دمج” مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومنع التصعيد، وفتح باب التعاون التجاري وذلك في صيغة تضع سوريا، للمرة الأولى، في موقع الشريك الأمني لإسرائيل، لا في موقع الخصم أو حتى الطرف غير المباشر.
التطبيع السوري الإسرائيلي
الأخطر في دلالات هذا التطور أنه يتزامن مع حرب إبادة مفتوحة على غزة، وتصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية، وانهيار شبه كامل لأي أفق سياسي فلسطيني.
ورغم ذلك، غاب ذكر فلسطين كليًا عن البيان المشترك، كما غابت أي إشارة إلى الاحتلال أو الاستيطان أو الجولان المحتل، ما يعكس أولويات دمشق الجديدة، ويكشف بوضوح أن الملف الفلسطيني لم يعد عنصرًا حاكمًا في حساباتها السياسية.
ولطالما قدّمت سوريا نفسها، لعقود، بوصفها “دولة مواجهة”، وجزءًا من محور الصراع مع دولة الاحتلال، حتى في ذروة الخلافات العربية والانقسامات الإقليمية.
أما اليوم، فإن الانتقال إلى تنسيق استخباراتي مباشر مع تل أبيب، وتحت إشراف واشنطن، يعني عمليًا التخلي عن هذا الدور، واستبداله بمنطق “إدارة التهديد” بدل مقاومته.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الضغوط الأمريكية المكثفة لإعادة هندسة الإقليم بعد حرب الإبادة في غزة، ولا عن السعي الغربي لاحتواء سوريا الجديدة ضمن منظومة أمنية إقليمية تتعايش مع تل أبيب ولا تصطدم بها.
في هذا السياق، تبدو دمشق مستعدة لدفع أثمان سياسية كبرى مقابل اعتراف دولي بها كـ”دولة مستقرة وذات سيادة”، حتى لو كان الثمن تقويض أحد أهم مرتكزات شرعيتها العربية التاريخية.
أحمد الشرع ويكيبيديا
من زاوية فلسطينية، يحمل هذا التطور رسائل شديدة القسوة. فدولة عربية مركزية، لطالما استُخدمت كورقة ضغط إقليمية في مواجهة إسرائيل، تدخل الآن في مسار تطبيع أمني تدريجي، يبدأ بالاستخبارات ولا يُعرف أين ينتهي.
وبحسب مراقبين فإن هذا التطور يضعف الموقف الفلسطيني التفاوضي، ويعزز الرواية الإسرائيلية القائلة إن الصراع بات فلسطينيًا داخليًا، لا عربيًا شاملًا.
كما أن إدخال البعد الاقتصادي في المحادثات، بالتوازي مع التنسيق الأمني، يشير إلى مسار تطبيع ناعم، يُعاد إنتاجه بذريعة “خفض التوتر” والتنمية والاستقرار، وهي ذات المفردات التي استخدمت سابقًا لتبرير اتفاقات التطبيع العربية الأخرى، والتي لم تُسفر سوى عن مزيد من التغول الإسرائيلي.
وصحيح أن دمشق لا تزال تطرح شروطًا تتعلق بالانسحاب من مناطق في الجولان ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، لكن ميزان القوة في هذه المفاوضات مختل بوضوح.
فإسرائيل تدخل المحادثات من موقع المتفوق عسكريًا والمدعوم أمريكيًا، فيما تدخلها سوريا وهي تبحث عن فك عزلة سياسية واقتصادية خانقة في معادلة غالبًا ما تتحول “الضمانات” فيها إلى تنازلات مؤجلة.
الأهم أن هذا المسار يُعيد تعريف مفهوم “السيادة” الذي تتحدث عنه دمشق. فالتنسيق الأمني مع قوة احتلال، تحت إشراف واشنطن، لا يعزز السيادة بقدر ما يعيد إنتاجها ضمن شروط الخارج. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: أي سيادة تُبنى على تبادل معلومات استخباراتية مع الاحتلال، بينما تستمر الأخيرة في احتلال الجولان، وقصف الأراضي السورية متى شاءت؟
في المحصلة، لا يمكن فصل بيان باريس عن المسار الأوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بعد غزة. وهو مسار يُراد له أن يهمّش القضية الفلسطينية، ويفكك ما تبقى من شبكة الدعم العربي الرسمي لها.
وبحسب المراقبين فإن دخول سوريا هذا المسار، بهذا الشكل العلني والمباشر، يشكل ضربة سياسية ومعنوية إضافية للفلسطينيين، ويؤكد أن مرحلة جديدة بدأت، عنوانها الواقعي: أمن (إسرائيل) أولًا، وما تبقى قابل للتفاوض.





