ظلام غزة يتحول إلى تجارة لأصحاب المولدات الخاصة

تعيش غزة واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في تاريخها بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي محطة التوليد الوحيدة في القطاع وقطع خطوط الكهرباء الإسرائيلية ما أدى إلى انقطاع شبه كامل للتيار الكهربائي في أزمة تحولت إلى تجارة لأصحاب المولدات الخاصة .
وكانت محطة التوليد في غزة تنتج قبل الحرب ما يقارب 140 ميغاواط من الكهرباء، بينما كانت خطوط الكهرباء القادمة من الاحتلال توفر نحو 120 ميغاواط إضافية، إضافة إلى نحو 30 ميغاواط من مصر، وهو ما كان يغطي جزءاً من احتياجات القطاع المقدرة بنحو 500 ميغاواط.
لكن مع استهداف البنية التحتية للطاقة خلال الحرب وتعطل محطة التوليد وخروج معظم الخطوط الكهربائية عن الخدمة، وجد سكان القطاع أنفسهم في ظلام شبه كامل، الأمر الذي دفعهم للاعتماد على المولدات الكهربائية الخاصة كمصدر أساسي للطاقة.
مولدات خاصة تتحول إلى بديل قسري للكهرباء
في ظل هذا الانقطاع الواسع للكهرباء، انتشرت المولدات الخاصة في أحياء غزة بشكل كبير، حيث باتت هذه المولدات المصدر الوحيد لتوفير الكهرباء للمنازل والمحلات التجارية والمخابز والمنشآت الحيوية.
ويعتمد آلاف السكان على الاشتراك في مولدات الحي مقابل رسوم شهرية أو مقابل الدفع حسب عدد ساعات التشغيل أو كمية الكهرباء المستهلكة.
لكن هذا الحل المؤقت تحول مع مرور الوقت إلى أزمة جديدة، بعدما ارتفعت أسعار الاشتراك في هذه المولدات بشكل كبير، الأمر الذي أثار استياء واسعاً بين السكان.
وتشير تقديرات محلية إلى أن تكلفة الاشتراك الشهري بالكهرباء من المولدات الخاصة قد تتراوح بين 150 و300 شيكل للأسرة الواحدة مقابل ساعات تشغيل محدودة يومياً، بينما ترتفع التكلفة بشكل أكبر في بعض المناطق المكتظة.
وفي بعض الحالات يتم احتساب الكهرباء وفق نظام الأمبير، حيث يدفع المشترك ما بين 40 و70 شيكلاً لكل أمبير شهرياً، وهو ما يعني أن الأسرة التي تحتاج إلى خمسة أمبيرات قد تضطر لدفع أكثر من 300 شيكل شهرياً.
وتشكل هذه الأسعار عبئاً هائلاً على الأسر في غزة، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه القطاع.
بطالة مرتفعة ودخل شبه معدوم
تأتي أزمة المولدات في وقت يعاني فيه الاقتصاد الغزي من انهيار غير مسبوق نتيجة الحرب والحصار، حيث تشير تقديرات اقتصادية إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 70 في المئة.
كما يعيش أكثر من 80 في المئة من سكان القطاع تحت خط الفقر أو يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف يصبح دفع مئات الشواكل شهرياً مقابل الكهرباء أمراً شبه مستحيل بالنسبة لكثير من الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
اتهامات بالجشع واستغلال الأزمة
يتهم سكان كثيرون أصحاب المولدات باستغلال أزمة الكهرباء لتحقيق أرباح كبيرة، خصوصاً مع غياب الرقابة الفعلية على الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
ويشير مواطنون إلى أن بعض أصحاب المولدات يفرضون أسعاراً مرتفعة تتجاوز التكلفة الفعلية للوقود والصيانة، مستفيدين من حاجة السكان الملحة للكهرباء.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الطلب الكبير على الكهرباء مقابل محدودية البدائل أدى إلى نشوء سوق شبه احتكارية يتحكم فيها عدد محدود من مالكي المولدات.
ويؤكد هؤلاء أن هذه الظاهرة تعكس خللاً عميقاً في الاقتصاد المحلي الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على حلول فردية ومؤقتة بدل البنية التحتية العامة التي دمرتها الحرب.
أزمة وقود تضاعف المشكلة
تزداد أزمة الكهرباء تعقيداً بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات، حيث يعتمد تشغيل معظمها على الديزل الذي يدخل القطاع بكميات محدودة.
ويؤدي ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة الحصول عليه إلى زيادة تكاليف التشغيل، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الاشتراك التي يدفعها السكان.
كما يؤدي تشغيل المولدات لفترات طويلة إلى أعطال متكررة وحاجة مستمرة للصيانة، ما يضيف تكاليف إضافية يتحملها المستهلك في النهاية.
ولا يمكن فصل أزمة الكهرباء في غزة عن سياق الحرب الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع، حيث أدى استهداف محطة التوليد والبنية التحتية للطاقة إلى خلق أزمة إنسانية واسعة، بينما أصبح السكان مضطرين للاعتماد على حلول مكلفة وغير مستقرة مثل المولدات الخاصة.
وفي الوقت الذي يكافح فيه السكان لتأمين الغذاء والدواء والمياه، تتحول الكهرباء إلى عبء مالي إضافي يزيد من معاناتهم اليومية في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ القسوة.



