تنسيقات التجار إلى غزة اقتصاد الحصار الجديد بعد حرب الإبادة

تتصاعد في قطاع غزة أزمة ما يعرف بـ تنسيقات التجار لإدخال البضائع، وهي منظومة اقتصادية فرضتها ظروف الحرب والحصار، وتحولت تدريجياً إلى أحد أبرز أوجه المعاناة اليومية لسكان القطاع، بعدما أصبحت وسيلة جديدة لفرض أعباء مالية هائلة على السكان في ظل انهيار الاقتصاد وانتشار البطالة والفقر.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن آلية التنسيقات تقوم على دفع مبالغ ضخمة لتأمين إدخال شاحنات البضائع عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى تضخم كبير في أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق المحلية.
ومع مرور الوقت تحولت هذه الآلية إلى قناة شبه احتكارية للتحكم في تدفق السلع إلى القطاع وتحديد أسعارها داخل الأسواق المحلية.
مئات الملايين مقابل إدخال البضائع
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الأموال التي دُفعت مقابل تنسيق إدخال البضائع إلى غزة بلغت نحو 805 ملايين دولار حتى مارس 2025، وهو رقم يعكس حجم الاستنزاف المالي الذي تعرض له الاقتصاد الغزي نتيجة هذه المنظومة خلال فترة الحرب والحصار.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول الحصار من مجرد قيود عسكرية إلى نظام اقتصادي معقد يتحكم في حركة التجارة وتكاليفها، حيث بات إدخال أي شحنة بضائع مرتبطاً بإجراءات مالية وإدارية معقدة تزيد من كلفة السلع على المستهلكين.
ويرى اقتصاديون أن هذه السياسة أدت إلى إعادة تشكيل السوق في غزة بصورة غير متوازنة، إذ يقتصر إدخال البضائع على عدد محدود من التجار الذين يحصلون على الموافقات اللازمة، بينما يتم إقصاء غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة من النشاط التجاري.
احتكار السوق وارتفاع الأسعار
تشير دراسات اقتصادية إلى أن عدد الشركات التي تتحكم فعلياً في حركة إدخال البضائع لا يتجاوز في بعض الأحيان عشر شركات فقط، الأمر الذي أدى إلى نشوء طبقة محدودة من التجار والوسطاء الذين يسيطرون على السوق.
ويؤكد خبراء أن هذا الاحتكار أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية داخل القطاع، حيث سجلت بعض السلع زيادات تتراوح بين 200 و500 في المئة مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.
ويعود ذلك إلى أن التاجر الذي يدفع مبالغ كبيرة مقابل تنسيق إدخال الشحنة يقوم لاحقاً بإضافة هذه التكاليف إلى سعر السلعة داخل السوق المحلية، ما يجعل المستهلك النهائي هو من يتحمل عبء هذه الرسوم المرتفعة.
وتوضح أمثلة الأسعار حجم المشكلة، إذ قد يصل تنسيق شاحنة الملابس إلى نحو 350 ألف شيكل، بينما قد يبلغ تنسيق شاحنة اللحوم أو الدجاج المجمد نحو 400 ألف شيكل.
البطالة والفقر في غزة ويكيبيديا
تأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه الاقتصاد في غزة واحدة من أسوأ أزماته التاريخية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن معدلات البطالة في القطاع وصلت إلى ما بين 70 و80 في المئة نتيجة الحرب والدمار الواسع الذي طال المصانع والمنشآت التجارية والبنية التحتية الاقتصادية.
كما ارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، مع اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية أو الديون لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف تصبح أي زيادة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية عبئاً إضافياً على الأسر التي تكافح من أجل البقاء، خصوصاً أن القدرة الشرائية للسكان تراجعت بشكل حاد خلال فترة الحرب.
ويرى محللون أن منظومة التنسيقات تمثل جزءاً من سياسة اقتصادية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الغزي تحت ضغط الحرب والحصار.
فبدلاً من إدخال البضائع عبر آليات إنسانية شفافة، جرى تحويل جزء كبير من حركة السلع إلى نظام تجاري يخضع لقيود أمنية ومالية صارمة، ما أوجد سوقاً شبه احتكارية تتحكم في الأسعار وتدفق السلع.
وفي الوقت نفسه تسمح هذه الآلية للاحتلال بالتحكم في نوعية البضائع التي تدخل القطاع، إذ تخضع كل شاحنة لعملية تفتيش وموافقة أمنية قبل السماح لها بالعبور.
الحصار الاقتصادي يتجاوز إغلاق المعابر
يشير خبراء اقتصاديون إلى أن هذه السياسة تمثل شكلاً جديداً من الحصار الاقتصادي، حيث لم يعد الحصار يعتمد فقط على إغلاق المعابر أو تقليص حركة التجارة، بل أصبح يقوم على إدارة السوق من خلال القيود المالية والإدارية.
كما أدى السماح لبعض التجار بإدخال بضائع معينة في حين تمنع المنظمات الإنسانية من إدخالها إلى خلق نظام مزدوج يزيد من تشوهات السوق ويضعف قدرة المؤسسات الإغاثية على توفير السلع بأسعار معقولة.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار نظام التنسيقات قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الاجتماعية في غزة، إذ تصبح السلع الأساسية حكراً على من يملك القدرة على الدفع بينما تتوسع دائرة الفقر بين السكان.





