القصة في ارقام

وقف النار بلا إغاثة: قيود الاحتلال تُفرغ التهدئة في غزة من مضمونها الإنساني

رغم مرور 90 يوما على الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تزال الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة عالقة في اختناقات حادة تُفرغ هذا الوقف من أي مضمون إنساني فعلي، في ظل استمرار القيود الميدانية التي تعرقل وصول المساعدات الأساسية إلى مئات آلاف المدنيين، وتحوّل التهدئة إلى إجراء شكلي لا ينعكس على حياة السكان المنهكين من حرب إبادة متواصلة منذ أكثر من عامين.

وفي هذا السياق، أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، بأن نقص الوقود واستمرار إغلاق الطرق يبطئان الاستجابة الإنسانية بشكل كبير في قطاع غزة، رغم استئناف شحنات الوقود خلال الفترة الأخيرة.

وأكد المكتب الأممي أن إعادة إدخال الوقود لم تُحدث تحولًا جوهريًا في الميدان، بسبب القيود المستمرة على الوصول، والازدحام الشديد على الطرق المحدودة، والفجوات الكبيرة في قدرات التخزين، ما يرفع كلفة العمليات الإنسانية ويؤخر إيصال المساعدات إلى مستحقيها.

وأوضح التقرير أن شركاء الأمم المتحدة تمكنوا من استئناف توزيع حصص الغذاء الشهرية لأول مرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث جرى الوصول إلى نحو 100 ألف شخص فقط، وهي خطوة وصفتها مصادر أممية بأنها “محدودة للغاية” قياسًا بحجم الكارثة الإنسانية في قطاع يقطنه أكثر من مليوني إنسان، يعتمد معظمهم كليًا على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

الحصار الإسرائيلي على غزة ويكيبيديا

من منظور القانون الدولي الإنساني، تتحمل قوة الاحتلال مسؤولية مباشرة عن ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى السكان المدنيين، وتأمين الوقود والبنية التحتية اللازمة لاستمرار الخدمات الأساسية، ولا سيما بعد عمليات عسكرية واسعة النطاق دمّرت معظم مقومات الحياة.

ويُعد تقييد حركة الإغاثة أو تعطيل سلاسل الإمداد انتهاكًا صريحًا لواجبات الحماية المفروضة على القوة القائمة بالاحتلال.

ويحذّر خبراء قانونيون من أن استمرار إغلاق الطرق وفرض قيود على الوصول، حتى في ظل وقف إطلاق النار، يحوّل الوضع الإنساني إلى أداة ضغط غير مباشرة على المدنيين، ويقوّض مبدأ الفصل بين الأهداف العسكرية والسكان المدنيين.

وتتفاقم خطورة هذه السياسات عندما تطال قطاعات حيوية مثل الصحة والغذاء والتعليم والمياه، وهي حقوق أساسية مكفولة للسكان المحميين بموجب القانون الدولي.

وتأتي هذه المعطيات في سياق إنساني بالغ التعقيد خلّفته حرب إبادة شنها الاحتلال على قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات وشبكات الطرق ومرافق المياه والكهرباء.

وقد جعل هذا الدمار أي استجابة إنسانية، مهما توسعت، عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات ما لم تُرفع القيود المفروضة بشكل كامل وفوري.

وقف إطلاق النار في غزة

حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من أن القطاع يواجه “إبادة جماعية بطيئة”، في ظل تنصّل الاحتلال من التزاماته الواردة في الاتفاق والبروتوكول الإنساني.

وأوضح أن الاحتلال لم يلتزم بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها، إذ لم يدخل إلى قطاع غزة خلال 90 يومًا سوى 23,019 شاحنة من أصل 54,000 شاحنة يفترض إدخالها، بمتوسط يومي لا يتجاوز 255 شاحنة من أصل 600 شاحنة مقررة، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 43%.

وأكد المكتب أن هذا النقص الحاد أدى إلى استمرار العجز في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية.

وأضاف أن الاحتلال لا يكتفي بتقليص الكميات، بل يتحكم بنوعية المساعدات، حيث يُسمح بإدخال مواد غذائية منخفضة القيمة الغذائية، بينما يُمنع إدخال المواد الأساسية الغنية، في سياسة وصفها بأنها “هندسة تجويع وتعطيش ممنهجة”.

وفيما يتعلق بالوقود، كشف المكتب أن شحنات الوقود التي دخلت قطاع غزة خلال الفترة ذاتها بلغت 539 شاحنة فقط من أصل 4,500 شاحنة كان يفترض إدخالها، بمتوسط خمس شاحنات يوميًا من أصل 50 شاحنة متفق عليها، أي بنسبة التزام تقارب 11%.

وأدى ذلك إلى إبقاء المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على حياة المرضى والنازحين.

أما في قطاع الإيواء، فقد حذّر المكتب الإعلامي الحكومي من تفاقم أزمة غير مسبوقة، نتيجة إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر ومنع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء من خيام وشوادر بلاستيكية، في انتهاك صارخ لبنود الاتفاق والقانون الدولي الإنساني.

وتسببت هذه السياسات، بالتزامن مع المنخفضات الجوية وبداية فصل الشتاء، بانهيار أكثر من 50 منزلًا ومبنى متضررًا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المواطنين، إلى جانب تسجيل وفيات بسبب البرد داخل خيام النازحين.

ومع خروج أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة، وعدم صلاحيتها لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح، تتزايد التحذيرات من وقوع وفيات جديدة إذا استمر هذا الإهمال المتعمّد.

وفي ظل هذه الوقائع، تؤكد الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، أن وقف إطلاق النار، من دون رفع القيود وضمان حرية حركة الإغاثة وتدفق الوقود وفتح الطرق، سيبقى هشًا، وعاجزًا عن وقف الانزلاق المتواصل نحو كارثة إنسانية أعمق في قطاع غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى