تحليلات واراء

انتخابات “المجلس الوطني” بين العوار القانوني وضبابية النظام وسقوط الاستحقاقات

أثار المرسوم الرئاسي الذي أصدره رئيس السلطة محمود عباس بدعوة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات إلى انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في 1/11/2026، عاصفةً من الأسئلة القانونية والسياسية، بعدما بدا في صيغته المعلنة إطارًا عامًا بلا نصوص مكتملة، وخطابًا إنشائيًا بلا قواعد إجرائية مُلزِمة.

إذ ينصّ المرسوم على إجراء الانتخابات «حيثما أمكن» داخل فلسطين وخارجها، وبالتمثيل النسبي الكامل، مع ضمان «أوسع مشاركة ممكنة» لمكونات الشعب الفلسطيني، وتولّي لجنة الانتخابات المركزية الإشراف الكامل.

غير أنّ هذا الإعلان—رغم رنّته السياسية—يفتقر إلى أبجديات المشروعية الانتخابية: أين النص الكامل للمرسوم؟ أين النظام الانتخابي؟ متى أُقِرّ؟ ومن أقرّه؟ وأين نُشر؟ أسئلة ليست شكلية، بل تمسّ جوهر أي عملية انتخابية تُراد لها الشرعية.

عوار قانوني بنيوي

أخطر ما في المرسوم أنّه يقفز فوق القاعدة الدستورية والقانونية التي تُلزِم بتحديد النظام الانتخابي تفصيلاً قبل الدعوة للاقتراع.

فلا وجود لنظام انتخابي مُعلَن يشرح: عدد المقاعد، الدوائر (إن وُجدت)، شروط الترشّح، آليات الطعون، سقوف الإنفاق، إدارة الحملات، ولا كيفية احتساب الأصوات في الشتات.

ويرى مراقبون أن الاكتفاء بعبارة «التمثيل النسبي الكامل» دون مواد تفصيلية يفتح الباب لتأويلات واسعة، ويُفرغ المبدأ من مضمونه.

وتعبير «حيثما أمكن» مدخل لتعطيل الحقوق، فمن الذي يحدّد الإمكان؟ وبأي معيار؟ وهل تتحوّل «الاستحالة» إلى ذريعة لإقصاء كتل كاملة؟ التجربة الفلسطينية القريبة تقول إن القيود الأمنية والسياسية كثيرًا ما تُستعمل لتقليص المشاركة لا لتوسيعها.

ويعد المرسوم بمشاركة «التجمعات الفلسطينية في الخارج»، لكنّه لا يجيب عن السؤال المركزي: إلى أين وصل السجلّ الانتخابي لفلسطينيي الشتات؟ هل أُنجز؟ أين نُشر؟ ما مرجعيته؟ وكيف تُحدَّث بيانات ملايين الفلسطينيين عبر قارات مختلفة؟ من دون سجلّ مُدقَّق وشفاف، يصبح الوعد مشاركةً على الورق، بينما الواقع إقصاءٌ مقنّع.

كما أن إسناد «الإشراف الكامل» للجنة الانتخابات المركزية يبدو إيجابيًا نظريًا، لكنه بلا معنى عملي إن لم تُحدَّد صلاحيات اللجنة وحدودها، وعلاقتها بالسلطة التنفيذية، وضمان استقلالها المالي والإداري. الإشراف ليس شعارًا؛ هو منظومة صلاحيات وحصانات وإجراءات مُعلَنة.

سقوط الاستحقاق التشريعي والرئاسي… لماذا؟

السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف سقطت «الانتخابات التشريعية والرئاسية» من المشهد؟ المجلس الوطني جزء من منظومة تمثيلية أوسع، ولا يُعقل—سياسيًا وقانونيًا—القفز فوق استحقاقي التشريعي والرئاسي اللذين جرى تعطيلهما سنوات، لصالح مسار جزئي يُعيد تشكيل التمثيل من أعلى دون تجديد التفويض الشعبي الشامل. هل نحن أمام محاولة لإعادة ترتيب البيت السياسي بلا صندوق اقتراع كامل؟

إلى جانب ذلك يمتلئ المرسوم بعبارات من نوع «ضمان أوسع مشاركة»، «عدالة التمثيل»، «بما يكفل»، دون تحويلها إلى مواد مُحكمة قابلة للتطبيق والرقابة. هذه اللغة—المألوفة في البيانات—لا تصلح أساسًا لانتخابات وطنية بحجم المجلس الوطني.

ويشدد المراقبون على أن الانتخابات ليست موعدًا فقط؛ هي قانون ونظام ونشر وشفافية. غياب النصوص الكاملة، وعدم نشر النظام الانتخابي، وانعدام جدول إجرائي واضح، كلها تُنتج شرعية منقوصة سلفًا، وتفتح الباب لطعون سياسية وقانونية لا تنتهي.

وبحسب المراقبين فإن المطلوب نشر النص الكامل للمرسوم وكل ملاحقه، وإعلان النظام الانتخابي مفصّلًا، مع تاريخ إقراره والجهة المُقرّة ومكان النشر، وكشف وضع السجلّ الانتخابي للشتات بخطة زمنية ومعايير تدقيق.

كما يطالب هؤلاء بتحديد صلاحيات لجنة الانتخابات وضمان استقلالها، وتوضيح مصير الانتخابات التشريعية والرئاسية ضمن خارطة طريق واحدة، فيما من دون ذلك، يبقى المرسوم وثيقة سياسية رمزية، لا أساسًا قانونيًا لانتخابات جامعة. فالشرعية لا تُستعاد بالبلاغة، بل بالقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى