انتخابات تحت العصا الأمنية: أجهزة السلطة تخنق القوائم المستقلة في الضفة

قبل أسابيع من انطلاق الانتخابات المحلية في الضفة الغربية، تتكشّف معطيات متزايدة عن تدخل مباشر لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية في مسار العملية الانتخابية، عبر ملاحقة القوائم المستقلة والضغط على مرشحين لإقصائهم أو إعادة توجيههم نحو قوائم تحظى برضا حركة فتح والأجهزة الأمنية، في مشهد يعكس تفريغ الانتخابات من مضمونها وتحويلها إلى إجراء شكلي لإعادة تدوير السلطة والنفوذ.
وكشف أسير محرر ينتمي لحركة فتح، في إفادة خاصة، عن تلقيه اتصالًا من جهاز الأمن الوقائي في مدينته، طُلب منه خلاله الحضور إلى مقر الجهاز للقاء أحد المسؤولين.
وبحسب روايته، فإن اللقاء كان سياسيًا بامتياز، بحيث دار الحديث بشكل مباشر حول القائمة الانتخابية المستقلة التي كان يعمل على تشكيلها لخوض الانتخابات البلدية المقبلة.
وأوضح أن مسؤول الجهاز طلب منه صراحة عدم الاستمرار في هذه القائمة، والانسحاب منها لصالح قائمة أخرى “مسموح لها” بخوض الانتخابات، في إشارة واضحة إلى قائمة تحظى برضى الأجهزة الأمنية ودعمها.
ووفق الإفادة، لم يُخفِ المسؤول رغبته في توجيه المرشحين نحو قوائم بعينها، بما يضمن نتائج انتخابية منسجمة مع توجهات السلطة وحركة فتح.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تشير معطيات متقاطعة إلى أن هذه الحادثة جزء من نمط متكرر يجري تطبيقه في عدد من المدن والبلدات، حيث تتدخل الأجهزة الأمنية في مرحلة ما قبل الترشح، عبر الاستدعاءات الهاتفية، واللقاءات “النصحية”، وأحيانًا التهديد غير المباشر، لإعادة هندسة القوائم الانتخابية وإقصاء الأصوات غير المنضبطة سياسيًا.
ولا يستبعد مراقبون أن تكون بعض القوائم التي يجري الترويج لها قد شُكّلت بالكامل بإرادة أمنية، أو على الأقل خضعت لـ”غربلة مسبقة” تضمن خلوّها من شخصيات مستقلة أو معارضة أو غير مرضي عنها، بما يحوّل الانتخابات إلى منافسة بين قوائم متشابهة في الولاء، لا بين برامج أو رؤى مختلفة لخدمة المجتمع المحلي.
ويأتي هذا التدخل الأمني المكشوف في وقت تستعد فيه الضفة الغربية لانتخابات تشمل نحو 420 هيئة محلية، وسط مقاطعة متصاعدة من قوى فلسطينية ومنظمات حقوقية، احتجاجًا على الشروط السياسية التي فرضها رئيس السلطة محمود عباس، والتي تشترط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير واتفاقياتها الدولية، وفي مقدمتها الاعتراف بكيان الاحتلال.
ويرى منتقدو هذا الشرط أنه لا علاقة له بالعمل البلدي والخدماتي، بل يُستخدم كأداة إقصاء سياسي لمنع أي قوائم أو شخصيات ترفض نهج التنسيق الأمني أو مسار التسوية من دخول السباق الانتخابي، ما ينسف مبدأ التعددية ويحوّل المجالس المحلية إلى أذرع إدارية للسلطة بدل أن تكون تعبيرًا عن إرادة الناس.
القمع في الضفة الغربية
تعكس ملاحقة القوائم المستقلة حالة خوف متجذّرة لدى السلطة من أي مسار ديمقراطي حقيقي قد يفرز قوى جديدة أو يفتح المجال لمساءلة الأداء السياسي والأمني والاقتصادي القائم.
فبدل أن تكون الانتخابات فرصة لتجديد الشرعيات وضخ دماء جديدة في الحياة العامة، يجري التعامل معها كمعركة يجب التحكم بنتائجها مسبقًا.
وتحذّر مصادر حقوقية من أن استمرار هذا النهج سيقوّض ما تبقى من ثقة الشارع الفلسطيني بالعملية الانتخابية، ويعزز القناعة بأن صناديق الاقتراع لم تعد وسيلة للتغيير، بل أداة لإضفاء غطاء شكلي على واقع سياسي مغلق، تتحكم به الأجهزة الأمنية والقرار الفوقي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الانتخابات المحلية في الضفة الغربية أقرب إلى اختبار جديد لمدى تغوّل السلطة على المجال العام، حيث يُقاس النجاح ليس بمدى نزاهة العملية، بل بقدرة الأجهزة على ضبط النتائج، حتى لو كان الثمن قتل أي أمل بانتخابات حرة تعبّر عن إرادة الناس، لا عن تعليمات المقرات الأمنية.





