تغليظ حكم قاصر في الأردن يكرس تسييس القضاء وقمع التضامن مع غزة

أدانت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا قرار محكمة الاستئناف الأردنية تغليظ العقوبة بحق الطفل القاصر عبد الرحمن خالد الجهني، معتبرةً أن الحكم يشكّل سابقة خطيرة في مسار عدالة الأحداث، ويعكس توجهاً مقلقاً لاستخدام القضاء وأدوات “مكافحة الإرهاب” لمعاقبة مواقف سياسية مرتبطة بالتضامن مع غزة.
وكانت محكمة الاستئناف قد قررت رفع مدة الحبس بحق عبد الرحمن الجهني إلى عامين، بعد أن كانت محكمة الدرجة الأولى قد حكمت عليه بالسجن لمدة عام واحد، وهو حكم سبق أن خُفّض في نوفمبر 2025 من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة، قبل أن يُعاد تشديده مجدداً.
وأعلن والد القاصر، الناشط المعارض خالد الجهني، القرار عبر حسابه على موقع فيسبوك، في خطوة أثارت موجة انتقادات حقوقية داخل الأردن وخارجه.
تجريم دعم غزة في الأردن
وتعود القضية إلى 18 نوفمبر 2025، حين أدانت محكمة أردنية ثلاثة فتيان قاصرين، من بينهم عبد الرحمن الجهني، استناداً إلى لائحة اتهام وصفت بأنها من أخطر اللوائح في التشريع الجزائي، وشملت تهم “تأسيس تنظيم بقصد القيام بأعمال إرهابية”، و”حيازة مواد مفرقعة”، و”صناعة متفجرات”، و”الترويج لجماعات إرهابية”.
وبحسب المنظمة الحقوقية فإن الاتهامات المذكورة لا تتناسب لا مع أعمار المتهمين ولا مع الوقائع المعروضة في الملف القضائي.
وأكدت المنظمة أن القضية تفتقر إلى أدلة مادية واضحة أو وقائع مثبتة تبرر هذا الوصف القانوني المشدد، محذّرة من أن التوسع في استخدام توصيف “الإرهاب” بحق قاصرين يفرغ العدالة من مضمونها، ويحوّل القضاء من أداة إنصاف إلى وسيلة ردع سياسي.
وأضافت أن خطورة الأمر لا تكمن فقط في قسوة العقوبة، بل في ترسيخ سابقة تتيح تجريم أفعال غير مثبتة تحت عناوين أمنية فضفاضة.
وشددت على أن محاكمة الأطفال في قضايا تمس أمن الدولة تستوجب، وفق المبادئ القانونية المستقرة والمعايير الدولية، إجراءات استثنائية تضع حماية الحدث في المقدمة، وتعطي الأولوية للإصلاح وإعادة الإدماج الاجتماعي، لا للعقوبات الزجرية.
غير أن تغليظ الحكم بحق عبد الرحمن، بدلاً من البحث في بدائل قانونية وإنسانية، يمثل، وفق المنظمة، إخلالاً جوهرياً بفلسفة عدالة الأحداث، وتقويضاً لمبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة.
العقاب بالنيابة
لفتت المنظمة إلى أن القضية تكتسب بعداً سياسياً إضافياً في ضوء الصلة العائلية بين أحد المحكومين وشخصية معارضة معروفة، ما يثير شبهة “العقاب بالنيابة”، ويطرح علامات استفهام جدية حول حيادية القضاء واستقلاله عن السياق السياسي.
وأكدت أن ربط المسؤولية الجزائية بالانتماء العائلي أو المواقف السياسية يشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ شخصية العقوبة، وهو أحد أعمدة العدالة الجنائية.
كما وضعت المنظمة القضية في إطار أوسع من الملاحقات التي طالت خلال الأشهر الأخيرة شباناً وفتية في الأردن، وُجهت إليهم اتهامات متشابهة، يجمع بينها التعبير عن مواقف داعمة لغزة في ظل الحرب المتواصلة عليها.
واعتبرت أن هذا النمط يعكس توجهاً متصاعداً لاستخدام قوانين الإرهاب بصياغاتها الواسعة لتجريم التعبير السياسي أو التضامن الإنساني، في تعارض مباشر مع حرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً.
وحذّرت المنظمة من أن الغموض في تعريفات مثل “الترويج” و”التعاطف” و”الدعم” يفتح الباب أمام تأويلات أمنية واسعة، تحوّل الموقف الأخلاقي أو السياسي إلى جريمة، وتضع القاصرين في مواجهة منظومة عقابية قاسية لا تراعي أعمارهم ولا هشاشتهم القانونية.
وأشارت إلى أن استمرار احتجاز قاصرين لأكثر من سبعة أشهر ونصف، مع تشديد العقوبة رغم الشكوك الجدية حول سلامة الملف، يثير تساؤلات عميقة بشأن التزام القضاء الأردني بالمعايير الدولية لعدالة الأحداث، التي تشدد على أن الاحتجاز يجب أن يكون الملاذ الأخير ولأقصر مدة ممكنة.
وختمت المنظمة بيانها بالدعوة إلى الإفراج الفوري عن القاصرين، وإعادة النظر في الأحكام الصادرة بحقهم، وضمان عدم استخدام القضاء كأداة لتصفية حسابات سياسية أو لقمع التضامن مع الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن حماية الأطفال واحترام سيادة القانون يشكلان اختباراً حقيقياً لالتزام الدول بمعايير العدالة وحقوق الإنسان.





