دستور بلا دولة: عباس يحول المشروع الوطني إلى إنجازات رمزية بلا أثر

منذ انتخابه رئيسًا للسلطة الفلسطينية قبل أكثر من عشرين عامًا، حصر محمود عباس مساره السياسي في تحقيق إنجازات رمزية على الساحة الدولية، من دون أن ينعكس ذلك تحسنًا ملموسًا على حياة الفلسطينيين أو على واقعهم تحت الاحتلال.
فعضوية “دولة فلسطين” بصفة مراقب في الأمم المتحدة، والانضمام إلى عدد من المنظمات الدولية، والحديث المتكرر عن إعداد دستور، كلها خطوات جرى تقديمها بوصفها مكاسب سياسية، لكنها بقيت بعيدة عن جوهر الصراع القائم على التحرر من الاحتلال.
ويعيش الفلسطينيون اليوم مرحلة تحرر وطني مكتملة الأركان من حيث التعريف القانوني والسياسي، والأرض ما زالت محتلة، والسيادة غائبة، والاحتلال يفرض سيطرته العسكرية والاقتصادية والأمنية على الضفة الغربية وقطاع غزة.
في هذا السياق، يخوض الفلسطينيون أشكالًا متعددة من النضال المشروع وفق القانون الدولي، ولا يملكون المقومات التي تخولهم الالتزام بدستور دولة مستقلة، لأنهم ببساطة لا يعيشون في دولة، بل في كيان منزوع الصلاحيات ومحاصر بالإجراءات الإسرائيلية.
حرف الأولويات الوطنية الفلسطينية
يجمع مراقبون على أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في غياب الدستور بل في غياب التحرر، وأن النضال من أجل الاستقلال يسبق بطبيعته أي نقاش دستوري.
فالحقوق الوطنية الفلسطينية لا تُستمد من وثيقة قانونية تُكتب تحت الاحتلال، بل من الحق غير القابل للتصرف في التحرر أولًا.
وعليه فإن تحويل الأولويات من مواجهة الاحتلال إلى صياغة دستور يعني نقل الصراع من ميدانه الطبيعي إلى مسار إداري وقانوني فارغ من أدوات التنفيذ.
كما أن الحديث عن دستور في ظل هذا الواقع لا يبدو مجرد خطوة في غير وقتها، بل عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على المشروع الوطني.
فالدستور، بطبيعته، يفرض التزامات وحدودًا وصلاحيات وعلاقات مع دول الجوار، وهي عناصر غير متوفرة أصلًا.
والأخطر أن دستورًا يُكتب تحت الاحتلال قد يتحول إلى أداة لتكريس تنازلات أحادية الجانب، وسحب أوراق قوة من الفلسطينيين سبق أن جرى التفريط ببعضها في مسار التسوية الطويل.
انفصال عن الواقع
يأتي طرح فكرة إعداد دستور في توقيت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا إسرائيليًا غير مسبوق في ظل مصادرة أراضٍ، وتوسيع استيطان، وخطوات عملية لضم مناطق واسعة، اعتداءات منظمة من المستوطنين، ومخاوف حقيقية من التهجير القسري.
وفي غزة، ما زالت تداعيات الحرب قائمة، فيما يعيش السكان تحت حصار خانق. وفي هذا المشهد، يبدو الانشغال بالدستور انفصالًا عن الواقع، لا استجابة له.
كذلك، يصعب فصل هذه الخطوة عن الضغوط الأوروبية وضغوط الدول المانحة، التي ما انفكت تربط الدعم المالي والسياسي بما تسميه “إصلاحات” فلسطينية.
وقد شمل هذا المسار سابقًا المناهج التعليمية، وملف الأسرى، ومحاولات إعادة صياغة الرواية الفلسطينية، وصولًا إلى التلاعب بالجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ.
ويظهر الدستور، في هذا السياق، كحلقة جديدة في سلسلة ابتزاز سياسي تُطلب من الفلسطينيين فيها تنازلات إضافية مقابل وعود فارغة.
والمفارقة أن الفلسطينيين يمتلكون أصلًا مرجعية سياسية وقانونية متمثلة في وثيقة الاستقلال التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988.
واستندت تلك الوثيقة إلى القرار 181، وأكدت بوضوح حق عودة اللاجئين وفق القرار 194 وهو ما زال ثابتًا في الخطاب الرسمي، لكنه غائب عن أي نقاش جدي حول الدستور المقترح.
ويتساءل مراقبون كيف يمكن صياغة دستور دون حسم قضية اللاجئين؟ وكيف يمكن الالتزام بحدود وعلاقات مع دولة الاحتلال وهي ترفض الاعتراف بأي من الحقوق الفلسطينية الأساسية، بما فيها حق العودة؟.





