منصة استخبارية: مشاريع الإمارات في رفح تخدم خطط إعادة تشكيل جغرافية غزة

حذرت منصة استخبارية من مشاريع الإمارات العربية المتحدة في رفح تثير مخاوف إعادة تشكيل جغرافية غزة كونها تتم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، بينما لا يزال مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين عاجزين عن العودة إلى ديارهم.
وقالت منصة (Dark Box) إن ما تروج له الإمارات في الإعلام علناً على أنه إعادة إعمار إنسانية، يبدو في نظر الكثير من الفلسطينيين جهداً منسقاً لإعادة تشكيل جغرافية غزة وتوزيع سكانها ومستقبلها السياسي بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية والمصالح الاقتصادية الإقليمية الأوسع.
وبحسب المنصة فقد انفجر الجدل بعد ظهور معلومات متزايدة بشأن مبادرات إعادة الإعمار الممولة إماراتياً والمرتبطة برفح، بما في ذلك مشاريع الإسكان الضخمة وعمليات إزالة الأنقاض وخطط إنشاء مناطق حضرية جديدة بالكامل داخل المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.
وبالنسبة للفلسطينيين داخل غزة، لا تكمن المشكلة في إعادة الإعمار بحد ذاتها، بل في إعادة الإعمار المفروضة في ظل الاحتلال، دون مشاركة سكان رفح النازحين، بينما تبقى المدينة معزولة عسكرياً وسياسياً.
وأبرزت المنصة أن رفح تُعتبر اليوم واحدة من أكثر الأماكن تدميراً في التاريخ الفلسطيني الحديث.
تدمير رفح
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على المدينة في مايو/أيار 2024، دُمرت أحياء بأكملها بشكل ممنهج عبر القصف الجوي والقصف المدفعي وعمليات الهدم المُخطط لها.
وتحولت مدينة رفح، التي كانت الملاذ الأخير للفلسطينيين النازحين الفارين من شمال غزة ومدينة غزة، إلى مشهد من الخراب والتهجير الجماعي.
وحتى بعد دخول اتفاقيات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لاحقاً، حافظت قوات الاحتلال الإسرائيلي على سيطرتها على رفح ورفضت الانسحاب الكامل من المنطقة. ونتيجة لذلك، لا يزال مئات الآلاف من الفلسطينيين نازحين، بينما تستمر مدينتهم تحت سيطرة عسكرية.
وفي ظل هذه الظروف تحديداً بدأت خطط إعادة الإعمار المدعومة من الإماراتيين بالتقدم.
ومن بين أكثر المقترحات إثارةً للجدل مشروع يُعرف باسم “رفح الجديدة”، ويتمحور حول بناء مجمعات سكنية ضخمة تضم نحو مئة ألف وحدة سكنية، بتمويل من مبادرات مدعومة من الإمارات.
وتشمل مشاريع أخرى خططاً تحمل اسم “رفح الخضراء”، تركز على إزالة الأنقاض وإعادة هيكلة المناطق الواقعة شرق ما يُسمى “الخط الأصفر”، وهي مناطق مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالترتيبات العسكرية الإسرائيلية وأطر الفصل الأمني.
التحالف الإماراتي الإسرائيلي
في الوقت نفسه، ظهرت رؤى إعادة تطوير أوسع نطاقاً مرتبطة بالأوساط الأمريكية والإسرائيلية حول تحويل أجزاء من غزة إلى مناطق استثمارية وسياحية ساحلية مدمجة في ممرات اقتصادية أوسع.
وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فإن التداخل بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية والتمويل الإماراتي ومخططات الاستثمار الأجنبي واستبعاد السكان النازحين يكشف عن محاولة منسقة لفرض واقع سياسي وديموغرافي جديد على غزة بعد الحرب.
وبالتالي، يتم تحويل تدمير رفح إلى فرصة للهندسة الجيوسياسية، حيث بدلاً من إعادة بناء المدينة وفقًا لاحتياجات وحقوق سكانها الأصليين، فإن هذه المشاريع تمضي قدمًا ضمن إطار عمل شكلته سلطات الاحتلال ورأس المال الأجنبي والحسابات الأمنية المفروضة خارجيًا.
وبحسب المنصة فإن ذلك يفسر الغضب والشك الهائلين المحيطين بالمشاريع داخل غزة نفسها.
فقد رفض قادة المجتمع المحلي وعائلات ضحايا الحرب ومصادر محلية داخل رفح علنًا أي مشاركة في جهود إعادة الإعمار التي تُجرى تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.
ويرى العديد من السكان أن التعاون مع مشاريع مرتبطة بهياكل الاحتلال يُمثل مشاركة مباشرة في إعادة تشكيل غزة وفقًا للمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، بينما يبقى الفلسطينيون أنفسهم مُهجّرين ومُستبعدين سياسيًا.
كما أن الحساسية العاطفية المحيطة برفح تجعل الوضع أكثر توتراً، حيث لا تزال مساحات شاسعة من المدينة تضم جثثًا عالقة تحت الأنقاض، ومقابر مدمرة، وحالات اختفاء لم تُحل.
وتواصل العديد من العائلات البحث عن أقاربها الذين قُتلوا خلال الهجوم. وقد مُحيت أحياء بأكملها من الوجود، بينما لا يزال السكان الناجون متفرقين في أنحاء متفرقة من غزة في ظل ظروف إنسانية كارثية.
طمس هوية رفح
في ظل هذه الخلفية، ينظر العديد من الفلسطينيين إلى مشاريع إعادة الإعمار الممولة خارجياً والتي تتقدم قبل السماح للسكان بالعودة، ليس على أنها عملية إنعاش إنساني، بل على أنها محاولة لطمس هوية المدينة، ومحو آثار الدمار، وإضفاء الطابع المؤسسي على واقع جديد تم إنشاؤه من خلال الحرب والنزوح.
وقد أصبح دور الإمارات في هذه العملية محورياً في الجدل الدائر، حيث على مدى السنوات الأخيرة، عززت أبوظبي تنسيقها السياسي والاقتصادي والأمني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل متزايد في أعقاب اتفاقيات التطبيع بين البلدين.
ومنذ ذلك الحين، امتد النفوذ الإماراتي ليشمل ملفات إقليمية متعددة مرتبطة بالترتيبات الأمنية، ومشاريع إعادة الهيكلة الاقتصادية، وأطر التطبيع السياسي في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وداخل غزة، ينظر العديد من الفلسطينيين الآن إلى التدخل الإماراتي كجزء من أجندة إقليمية أوسع تتماشى بشكل وثيق مع الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية في وقت عززت مشاريع إعادة إعمار رفح هذا التصور بشكل كبير.
وأدى التداخل بين التمويل الإماراتي والسيطرة العسكرية الإسرائيلية ومخططات إعادة التطوير المصممة خارجياً إلى مخاوف واسعة النطاق من أن إعادة الإعمار يتم استخدامها كسلاح سياسي من أجل إعادة تشكيل مستقبل غزة دون سيادة فلسطينية أو موافقة ديمقراطية.
وبحسب المنصة فإن المشكلة تتجاوز بكثير مجرد السكن، إذ تشمل المشاريع الناشئة حول رفح مناطق استراتيجية تقع بالقرب من الحدود المصرية، وممرات أمنية رئيسية، ومناطق ساحلية لطالما اعتبرت محورية للخطط الاقتصادية والجيوسياسية المستقبلية المرتبطة بغزة.
وبالتالي فإن السيطرة على إعادة الإعمار تعني السيطرة على خريطة غزة المستقبلية نفسها.
ولهذا السبب ينظر العديد من الفلسطينيين بشكل متزايد إلى هذه المبادرات كجزء من جهد أكبر لتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وعزل السكان داخل المناطق الخاضعة للسيطرة، واستبدال إعادة الإعمار الوطني بجيوب تُدار خارجياً وترتبط بترتيبات عسكرية أمنية.
كما كشف الجدل عن مخاوف أعمق بشأن تحويل إعادة الإعمار الإنساني إلى آلية للتطبيع السياسي.
وفي ظل هذا النموذج، يصبح الدمار الذي خلفته الحرب نقطة انطلاق للقوى الأجنبية والمستثمرين لإعادة تصميم الأراضي وفقًا للمصالح الاستراتيجية، بينما يفقد السكان النازحون السيطرة على أراضيهم وممتلكاتهم ومستقبلهم الحضري.
ويبدو دور الإمارات مثيراً للجدل بشكل خاص لأن أبو ظبي تسوق نفسها دولياً كفاعل إنساني بينما تشارك في تحالفات أمنية إقليمية وأطر تطبيع متشابكة بعمق مع السياسة الاستراتيجية الإسرائيلية.
وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، من المستحيل تجاهل هذا التناقض باعتبار أن نفس الجهات الفاعلة الإقليمية المتورطة في التنسيق السياسي والأمني مع الاحتلال الإسرائيلي تقوم الآن بوضع نفسها لتشكيل إعادة إعمار غزة في ظل ظروف الاحتلال، بينما يبقى السكان أنفسهم نازحين ومهمشين.
كما أكد المسؤولون البلديون داخل رفح على التداعيات القانونية والسياسية للوضع.
فقد أكدت بلدية رفح أن المدينة لا تزال محتلة ومعزولة، وأن أراضيها مملوكة لفلسطينيين معروفين، وأن حقوق ملكيتها موثقة قانونياً.
وشدد المسؤولون على أنه لا يمكن لأي عملية إعادة إعمار أن تنجح دون مشاركة وموافقة سكان رفح الأصليين.
كما حذرت البلدية من أن أي نشاط بناء يتم تنفيذه في ظل الاحتلال العسكري دون سند قانوني قد يواجه تحديات قانونية في المستقبل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التحذيرات، فإن الزخم الإقليمي الأوسع نطاقاً وراء هذه المشاريع لا يزال ينمو، وما يجعل الوضع خطيراً بشكل خاص هو أن إعادة الإعمار في ظل الاحتلال العسكري تُغير بشكل جذري معنى إعادة البناء نفسه.
وبدلاً من أن تصبح عملية إعادة الإعمار عملية تعافي وإعادة بناء وطنية، فإنها تخاطر بأن تصبح أداة للهندسة الديموغرافية والسيطرة السياسية وإعادة الهيكلة الإقليمية المفروضة من خلال القوة المالية والهيمنة العسكرية.
وختمت المنصة بأن مشاريع إعادة الإعمار الناشئة في رفح تكشف عن صراع أعمق بكثير حول مستقبل غزة حيث يتعلق الأمر بمن يسيطر على الجغرافيا الفلسطينية بعد الحرب، ومن يقرر مستقبل المجتمعات المهجرة، وما إذا كانت إعادة الإعمار ستخدم حقوق الفلسطينيين أم المصالح الاستراتيجية للقوى الخارجية التي تعمل جنباً إلى جنب مع الاحتلال العسكري.
وبالنسبة للكثيرين داخل غزة، يرمز الدور المتزايد لدولة الإمارات في رفح إلى تحول خطير حيث لم يعد إعادة الإعمار منفصلاً عن الهيمنة السياسية والتطبيع الإقليمي ومحاولة فرض واقع جديد على غزة من خلال المال والتهجير والسيطرة على الاحتلال.





