تراشق الفساد داخل السلطة يخرج إلى العلن: صراعات داخلية وغياب كامل للمساءلة

يتصاعد التراشق العلني بين قيادات ومسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية حول ملفات فساد موثقة، في مشهد يعكس صراعات داخلية على النفوذ، ويكشف في الوقت نفسه غياب أي التزام فعلي بمعايير القانون والرقابة، في ظل تعطيل المجلس التشريعي وتهميش القضاء وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات صراع سياسي.
وفي هذا السياق، قال النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة إن الفساد في السلطة الفلسطينية بات “ظاهرة واضحة”، مشيرًا إلى أن حلّ المجلس التشريعي وغياب الرقابة البرلمانية شكّلا الغطاء الأوسع لتمدد الفساد وتحوله من ممارسات فردية إلى نمط إدارة.
وأوضح خريشة أن توقيت إثارة ملفات الفساد الحالية لا يمكن فصله عن الخلافات والصراعات الداخلية بين أقطاب السلطة، معتبرًا أن كثيرًا من هذه التسريبات لا تنطلق من حرص حقيقي على المال العام، بل من مناكفات سياسية ومحاولات لتصفية الحسابات بين أطراف فقدت مواقعها أو تخوض صراعًا على النفوذ.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
أكد خريشة أن أي ملفات فساد أو معلومات كان يمتلكها مسؤولون بحكم مناصبهم تُعد ملكًا عامًا، وكان واجبهم القانوني والأخلاقي كشفها في وقتها، لا الاحتفاظ بها واستخدامها لاحقًا كورقة ضغط أو أداة تبرئة ذاتية.
وقال إن “تحويل الفساد إلى سلاح سياسي بعد مغادرة المنصب لا يخدم العدالة، بل يعمّق أزمة الثقة”.
وخصّ خريشة بالذكر القيادي في حركة فتح توفيق الطيراوي، معتبرًا أن من تولى مواقع قرار أمنية وسياسية حساسة كان يفترض به كشف أي قضايا فساد أثناء وجوده في موقع المسؤولية، لا بعد خروجه منها.
ورأى أن طرح هذه الملفات متأخرًا يأتي في سياق تحميل الآخرين المسؤولية والتنصل من الشراكة في منظومة الحكم.
وأشار إلى أن تكرار هذا السلوك بات ظاهرة متكررة في السلطة، حيث لا تظهر ملفات الفساد إلا بعد الإقالات أو الخلافات، مستشهدًا بما جرى مع سفير السلطة الفلسطينية السابق في لبنان، إذ لم تظهر الاتهامات إلا بعد إقالته، في حين أن المسار القانوني الصحيح يقتضي كشف الحقائق فور وقوعها، لا استخدامها لاحقًا كورقة انتقام.
وانتقد خريشة ضعف القضاء وأجهزة الرقابة، مؤكدًا أن غياب المجلس التشريعي المنتخب عطّل آليات المحاسبة، وفتح الباب أمام تمدد الفساد دون رادع.
وشدد على أن معالجة الفساد لا تتم عبر تبادل الاتهامات الإعلامية، بل عبر قضاء مستقل، وهيئات رقابية فاعلة، وبرلمان يمارس دوره الرقابي، وهي جميعها غائبة فعليًا عن المشهد الفلسطيني.
وثائق أريحا تفتح ملف أملاك الدولة
يأتي هذا الجدل في أعقاب كشف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح توفيق الطيراوي عن وثائق رسمية قال إنها قُدمت إلى رئيس السلطة محمود عباس، وتثبت تورط شخصيات نافذة في الاستيلاء على أراضٍ حكومية تابعة لأملاك الدولة في محافظة أريحا، ضمن ملف تسوية أراضي النبي موسى.
وبحسب الوثائق الصادرة عن مركز الاستقلال للدراسات والخرائط الطبوغرافية، فإن التحقيق استند إلى ملفات حكومة فلسطين ومخططات التسوية والصور الجوية والطبوغرافية لعام 1937، ويؤكد أن الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها أراضٍ حكومية مسجلة باسم الدولة.
وتوضح الوثائق أن مساحة حوض النبي موسى بلغت عام 1933 نحو 124 ألف دونم، قبل أن ترتفع عام 1941 إلى 135 ألف دونم، وأن قرار المحكمة الصادر عام 1947 نصّ صراحة على عودة ملكية كامل الحوض إلى حكومة فلسطين، باستثناء مقام النبي موسى وأراضي دير حجلة، إضافة إلى 8628 دونمًا سُجلت بأسماء أبناء محيي الدين الحسيني.
غير أن ما جرى لاحقًا، وفق الوثائق، كان تسوية مخالفة لقرارات قضائية نافذة، نُفذت دون مسح طبوغرافي ودون مخططات رسمية مستوفية للشروط القانونية، مع تغيير أرقام الأحواض والقطع وإلغاء الأودية ومجاري المياه، ما أدى إلى الاستيلاء على آلاف الدونمات من أملاك الدولة الفلسطينية، بما في ذلك مناطق مصنفة (أ).
تهديدات بدل المحاسبة
في تطور خطير، أظهرت وثائق رسمية أن متابعي هذا الملف تعرضوا لتهديدات مباشرة بالقتل وإيذاء العائلة، إضافة إلى رسائل ابتزاز عبر تطبيق “واتساب”.
وتقدم د. سهيل فؤاد ذيب أبو شوشة من رام الله بشكوى رسمية إلى النائب العام ضد المحامي وسام كعابنة من أريحا، على خلفية هذه التهديدات.
ودفعت هذه التطورات الطيراوي إلى نشر الوثائق علنًا، مؤكدًا أنه خاطب محمود عباس مرارًا على مدار سنوات لمعالجة هذا الملف ووقف الاستيلاء على أراضي الدولة وردّ الحقوق، دون أي استجابة.
وبحسب مراقبين تكشف هذه الوقائع أن الفساد في السلطة الفلسطينية لم يعد حالات فردية، بل جزءًا من نظام حكم بلا رقابة، تُدار فيه الملفات وفق ميزان القوة لا وفق القانون.
ومع غياب البرلمان وتعطيل القضاء، تتحول وثائق الفساد إلى أدوات صراع داخلي، فيما يبقى المال العام وأملاك الدولة الخاسر الأكبر، وتزداد فجوة الثقة بين الشارع الفلسطيني وسلطة ترفع شعار الإصلاح بينما تمارس نقيضه.





