مؤشرات متسارعة على قرب انهيار السلطة الفلسطينية وفشل مشروعها السياسي

تشير تطورات سياسية ومالية وأمنية متراكمة إلى أن السلطة الفلسطينية تواجه واحدة من أخطر مراحلها منذ تأسيسها منتصف التسعينيات، وسط تحذيرات متزايدة من قرب انهيارها وفشل مشروعها السياسي الذي قام أساساً على اتفاقيات أوسلو وخيار التفاوض.
وتُجمع قراءات سياسية فلسطينية ودولية على أن ما يجري في السلطة الفلسطينية يشكل تآكلاً بنيوياً يطال أسس الشرعية والوظيفة والدور.
فراغ شرعي وتآكل دستوري
أولى مؤشرات الانهيار تتمثل في فقدان الشرعية السياسية والدستورية.
فالسلطة الفلسطينية تعمل منذ سنوات دون مجلس تشريعي فاعل، ومع غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ عام 2006، ما أوجد فراغاً سياسياً عميقاً.
ويعزّز هذا الواقع تركّز القرار بيد رئيس السلطة محمود عباس، في ظل تعطّل آليات الرقابة والمساءلة، وتحول النظام إلى حكم فردي فعلي.
وأسهم هذا الوضع في تراجع الثقة الشعبية، ووسّع الفجوة بين السلطة والشارع الفلسطيني، الذي بات ينظر إلى المؤسسات الرسمية بوصفها أجهزة إدارة بلا تفويض شعبي متجدد.
انسداد أفق المشروع السياسي
يرتبط المؤشر الثاني بـفشل المشروع السياسي الذي تبنّته السلطة منذ تأسيسها، والقائم على فرضية أن التفاوض سيقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يتحقق أي من وعود هذا المسار؛ إذ توسّع الاستيطان بشكل غير مسبوق، واستمر الاحتلال في فرض وقائع ميدانية جديدة، بينما تراجعت فرص الحل السياسي إلى مستويات غير مسبوقة.
وبالتوازي، واصل التنسيق الأمني دون مقابل سياسي ملموس، ما رسّخ قناعة واسعة بأن السلطة تحولت من كيان انتقالي إلى نظام دائم لإدارة الواقع القائم، الأمر الذي أفقدها معناها السياسي لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين.
هشاشة مالية وارتهان خارجي
أما العامل الثالث فيتجسد في الانهيار المالي البنيوي، فالسلطة تعتمد بشكل شبه كامل على أموال المقاصة التي تتحكم بها دولة الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى المساعدات الخارجية المشروطة سياسياً وأمنياً.
ومع تكرار الأزمات، باتت عاجزة عن دفع الرواتب كاملة، وتراكمت ديونها للبنوك والقطاع الخاص.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذه الهشاشة تجعل السلطة غير قابلة للحياة دون دعم خارجي دائم، وأن أي ضغط مالي محدود كفيل بشلّ مؤسساتها وتعطيل وظائفها الأساسية.
فساد مؤسسي وتراجع الثقة
المؤشر الرابع والأكثر حساسية يتمثل في الفساد المؤسسي وما رافقه من انهيار الثقة الشعبية. فملفات الفساد لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى نمط متكرر، غالباً ما يُواجه بالصمت أو الحماية السياسية.
وترافق ذلك مع خطاب رسمي يعتبر أي نقد للملف المالي أو الإداري “استهدافاً للمشروع الوطني”، ما أسهم في تكميم الأفواه وتقويض مبدأ المحاسبة. ومع غياب الشفافية، تصاعد الغضب الشعبي، خاصة في أوساط الشباب، وبرزت مظاهر اللامبالاة السياسية والاحتجاج الصامت.
تداعيات داخلية وإقليمية
خلقت هذه العوامل مجتمعة بيئة داخلية هشة، انعكست على قدرة السلطة في إدارة شؤونها اليومية، وأضعفت موقعها التمثيلي إقليمياً ودولياً. كما زادت من احتمالات الانفجار الاجتماعي، في ظل البطالة والفقر وتراجع الخدمات.
وتحذر تقديرات سياسية من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى انهيار تدريجي، لا بفعل حدث واحد، بل نتيجة تراكم الإخفاقات وفقدان الثقة.
إذ أن الأزمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية لم تعد محصورة في ضغوط الاحتلال أو تعقيدات المشهد الإقليمي، بل باتت أزمة نموذج حكم ومشروع سياسي.
فغياب الشرعية، وانسداد الأفق التفاوضي، والإفلاس المالي، وتفشي الفساد، كلها مؤشرات على نهاية مرحلة كاملة. وبحسب مراقبين، فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد عن إمكان إصلاح السلطة، بل عن ما بعد هذا النموذج، وعن الصيغة التي يمكن أن تعبّر فعلياً عن تطلعات الفلسطينيين وقدرتهم على الصمود في المرحلة المقبلة.





