قيادي في فتح يكشف: ملف الفساد في أعلى هرم السلطة الفلسطينية

في وقتٍ تعيش فيه السلطة الفلسطينية واحدة من أعمق أزماتها السياسية والمالية، خرج القيادي في حركة فتح عدلي صادق بكشفٍ صريح أعاد فتح ملفٍ طالما أُغلق بالقوة والاتهام والتخوين: ملف الفساد في أعلى هرم السلطة.
وحمل حديث صادق اتهاماً مباشراً لوزير المالية السابق شكري بشارة، وللنظام السياسي الذي وفّر له الحماية، واعتبر المحاسبة “خطراً على المشروع الوطني”.
وبحسب ما أورده صادق، فإن بشارة، الذي شغل منصب وزير المالية لما يقارب تسع سنوات متواصلة حتى عام 2024، قام بصرف بدلات إيجار مرتفعة من المال العام لنفسه ولمسؤولين آخرين، رغم امتلاكهم عقارات خاصة في مناطق عملهم.
وتندرج القضية بوضوح تحت بند إساءة استخدام المال العام، واستغلال المنصب لتحقيق منافع شخصية، في وقت كانت فيه الخزينة الفلسطينية تعاني عجزاً خانقاً، والموظفون يتقاضون أنصاف رواتب.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
الأخطر في شهادة صادق ليس فقط الفعل بحد ذاته، بل السياق السياسي الذي أحاط به. فالفضيحة، وفق روايته، تفجّرت منذ عام 2019، ومع ذلك استمر بشارة في موقعه أربع سنوات إضافية، بقرار مباشر من رئيس السلطة محمود عباس.
ويعكس القرارٌ طبيعة الحكم الفردي الذي بات يطغى على بنية السلطة الفلسطينية، حيث تتحول القضايا الجنائية إلى ملفات مؤجلة، والمحاسبة إلى خيار انتقائي، يخضع لمعادلات الولاء لا للقانون.
ووضع صادق إصبعه على الجرح الأعمق: ثقافة الترهيب السياسي والأخلاقي التي تحيط بأي محاولة لفتح الملف المالي. فكل من يجرؤ على مساءلة وزارة المالية أو التشكيك في سلامة إدارتها، يُتهم فوراً بمهاجمة “المشروع الوطني” أو العمل ضمن “أجندات خارجية”.
هكذا، يتم تحويل الفساد من جريمة إلى “خط أحمر”، ومن قضية رأي عام إلى مؤامرة، في عملية خلط متعمدة بين الوطن والسلطة، وبين النقد والخيانة.
فساد السلطة الفلسطينية
هذه المعادلة المختلة، كما وصفها صادق، تمثل نتيجة مباشرة لحكم الفرد، حيث “فسدت التعريفات والعناوين والمفاهيم”، وأُفرغت الوظيفة العامة من مضمونها الأخلاقي والرقابي.
وفي هذا النموذج، لا يعود الوزير موظفاً خاضعاً للمساءلة، بل تابعاً محصناً، ولا تصبح الوزارة مؤسسة عامة، بل إقطاعية سياسية.
ويتزامن الكشف عن فضيحة بشارة مع مثول عدد من المدراء العامين في وزارة المالية أمام القضاء، ضمن لوائح اتهام تتعلق بقضايا مالية وإدارية بملايين الدولارات.
غير أن الشارع الفلسطيني، الذي خبر هذا النوع من “التحركات القضائية”، ينظر إليها بريبة شديدة، ويتساءل: هل نحن أمام بداية محاسبة حقيقية، أم مجرد تضحية برؤوس صغيرة لحماية الكبار؟
فالوقائع السابقة لا تبعث على التفاؤل. فملفات الفساد في السلطة الفلسطينية غالباً ما تُفتح تحت ضغط سياسي أو إعلامي، ثم تُغلق بصمت، دون نتائج رادعة أو شفافية حقيقية.
وقد ظلت التقارير الرقابية، سواء الصادرة عن ديوان الرقابة أو المؤسسات الدولية، لسنوات تُكدّس على الرفوف، بينما استمرت الشبكات نفسها في إدارة المال العام دون خوف من المساءلة.
ويرى مراقبون أن قضية شكري بشارة، كما قدّمها عدلي صادق، هي عرضٌ لمرضٍ مزمن في بنية السلطة الفلسطينية: غياب الفصل بين السلطات، تعطيل المجلس التشريعي، تركيز القرار بيد شخص واحد، وتحويل “الشرعية الثورية” إلى مظلة دائمة للإفلات من العقاب. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار، وتغدو مكافحة الفساد أداة سياسية لا مساراً مؤسسياً.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، وتآكل الثقة بين المواطن والسلطة، لم يعد السؤال: هل يوجد فساد؟ بل إلى متى سيبقى الفساد بلا محاسبة؟ وإلى متى ستُستخدم القضية الوطنية درعاً لحماية من نهبوا باسمها؟.





