تحليلات واراء

خفايا مؤامرة تحالف إسرائيل والإمارات لكسب النفوذ في القرن الأفريقي؟

تُعدّ أرض الصومال واحدة من أفقر مناطق العالم، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها حساسيةً من الناحية الجيوسياسية كونها تقع في القرن الأفريقي، عند تقاطع طرق بحرية تربط أفريقيا بالشرق الأوسط، ما جعلها تتحوّل خلال الأشهر الماضية إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، مع تصاعد الدورين الإسرائيلي والإماراتي فيها، وسط اعتراضات صومالية وعربية وأفريقية واسعة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أصبحت دولة الاحتلال أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًا بـ أرض الصومال كـ“دولة مستقلة”، في خطوة فجّرت موجة انتقادات واحتجاجات داخل الصومال وخارجه، واعتُبرت خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لوحدة وسيادة الصومال.

أرض الصومال: كيان غير معترف به وساحة مفتوحة للتدخلات

أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، عقب انهيار الدولة المركزية وسقوط نظام محمد سياد بري. ورغم امتلاكها مؤسسات محلية ودستورًا وعملة خاصة، فإنها بقيت طوال أكثر من ثلاثة عقود دون اعتراف دولي. هذا الفراغ القانوني جعلها بيئة مثالية لتدخلات خارجية تبحث عن موطئ قدم بأقل كلفة سياسية.

وتتمتع المنطقة بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، إذ تطل على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث يمر عبره نحو 30% من شحنات النفط العالمية، إضافة إلى كونه بوابة البحر الأحمر وقناة السويس.

ويفسر هذا الموقع الاهتمام الإسرائيلي المتزايد، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.

لماذا اندفعت تل أبيب للاعتراف؟

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أكثر من مجرد خطوة دبلوماسية؛ فهو جزء من استراتيجية أوسع لتوسيع النفوذ في القرن الأفريقي.

فوجود حليف جديد على الضفة الجنوبية للبحر الأحمر يمنح تل أبيب قدرة إضافية على مراقبة الملاحة البحرية، ومواجهة خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن، التي استهدفت سفنًا مرتبطة بإسرائيل خلال الحرب على غزة.

وتحدث مسؤولون في هرجيسا عن إمكانية منح شركات إسرائيلية امتيازات في الموانئ، بل وعن نقاشات غير معلنة بشأن وجود عسكري إسرائيلي محتمل، رغم النفي الرسمي.

كما أثار تقرير لوكالة أسوشيتد برس جدلاً واسعًا حول محادثات شملت الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة بشأن إعادة توطين فلسطينيين في أرض الصومال، وهو ما نفته سلطات الإقليم، لكنه كشف حجم الرهانات المطروحة.

الإمارات: الشريك الصامت والحاضر بقوة

في خلفية المشهد، تلعب الإمارات دورًا محوريًا، وإن بدا أقل صخبًا من الاعتراف الإسرائيلي. فمنذ عام 2016، منحت سلطات أرض الصومال شركة موانئ دبي العالمية امتياز إدارة ميناء بربرة، أحد أهم الموانئ على خليج عدن.

وبعد عام واحد فقط، وافق الإقليم على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في الميناء نفسه، في خطوة فُسّرت آنذاك كمقدمة لتكريس نفوذ أبوظبي في البحر الأحمر.

وهذا الحضور الإماراتي لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل عسكريًا وأمنيًا أيضًا، ضمن شبكة قواعد امتدت إلى سواحل بونتلاند وجوبالاند، وحتى جنوب اليمن وأرخبيل سقطرى.

وبحسب تقارير حقوقية وإعلامية، استُخدمت هذه الشبكة في نقل السلاح ودعم أطراف مسلحة في نزاعات إقليمية، أبرزها الحرب الأهلية في السودان.

رد الصومال والاصطفافات الإقليمية

اعتبرت الحكومة الصومالية الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال “تهديدًا وجوديًا”، وذهب الرئيس حسن شيخ محمود إلى حد التحذير من مواجهة أي وجود عسكري إسرائيلي في الإقليم.

كما ألغت مقديشو جميع العقود الأمنية والتجارية الموقعة مع الإمارات في الأراضي التي تعتبرها خاضعة لسيادتها، بما في ذلك بربرة وبوصاصو.

وإقليميًا، أدانت جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومجلس التعاون الخليجي هذه الخطوة. وكانت السعودية من أبرز المعارضين، مؤكدة تمسكها بوحدة أراضي الصومال، في موقف يعكس أيضًا احتدام الخلاف السعودي–الإماراتي في ساحات عدة، من اليمن إلى السودان وصولًا إلى القرن الأفريقي.

ولا يمكن فصل التحرك الإسرائيلي–الإماراتي في أرض الصومال عن سياق أوسع: إعادة هندسة موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

فالتطبيع لم يكن نهاية المطاف، بل تحوّل إلى أداة لفتح مسارات عسكرية وأمنية واقتصادية جديدة، غالبًا على حساب استقرار دول هشّة وسيادتها.

وتبدو أرض الصومال اليوم ورقة جيوسياسية في يد تحالف يسعى إلى توسيع نفوذه تحت غطاء الاستثمار والاعتراف الدبلوماسي، بينما يدفع الصومال والمنطقة ثمنًا إضافيًا من التوتر والانقسام. وبينما تُرفع شعارات “الشراكة” و“الاستقرار”، يتعزز واقع جديد عنوانه: تحالفات خارجية تعمّق الأزمات بدل حلّها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى