قراءة في موقف الجامعة العربية: تطابق مع خطط الاحتلال الإسرائيلي

سلط موقع “ميدل إيست مونيتور” الإخباري الدولي، الضوء على موقف الجامعة العربية من ملف قطاع غزة وإدارتها في مرحلة ما بعد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية وما يظهره من تطابق مع خطط الاحتلال.
وقال الموقع إن موقف جامعة الدول العربية يزيد الأمور تعقيداً في المباحثات الجارية لوضع خطة عربية تتصدى لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تهجير سكان القطاع.
وذكر الموقع أن موقف الجامعة العربية يتماشى مع المصالح الإسرائيلية. فقد قال الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي مؤخراً إن “المصالح الفلسطينية تتطلب خروج حماس من الساحة”.
وبحسب الموقع تظل إدارة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب مصدر قلق كبير بالنسبة لتل أبيب وواشنطن وعدد من العواصم العربية، وسط ترقب إقليمي ودولي بشأن استدامة اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى.
وقال الموقع إن قضية حكم غزة بعد كل هذا الموت والدمار ليست بالأمر السهل، بالنظر إلى التحديات الهائلة والقضايا المعقدة المتعلقة بإعادة الإعمار، والخطط المعلنة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن القطاع. كل هذه العوامل تجعل حكم غزة اختباراً صعباً ومكلفاً.
ولكن حتى الآن لم يتم التوصل إلى خطة واضحة، ويرجع هذا جزئياً إلى الانقسامات الفلسطينية الداخلية ورفض السلطة الفلسطينية في رام الله إدارة القطاع. فضلاً عن ذلك، هناك معارضة إسرائيلية وأميركية لأي دور لحركة “حماس” بعد الحرب، إلى جانب الإحجام العربي عن الانخراط في إدارة غزة أو مواجهة فصائل المقاومة.
وقال الموقع إن الموقف يزداد تعقيداً بسبب الموقف الحازم الذي يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد أعلن أنه “في اليوم التالي للحرب في غزة لن يكون هناك حماس ولا السلطة الفلسطينية” في غزة.
فشل الخيارات الإسرائيلية
وفي العام الماضي، حاولت دولة الاحتلال الإسرائيلي الاعتماد على زعماء القبائل المحليين في غزة كخيار محتمل للحكم بعد الحرب، ولكن الافتقار إلى الدعم الشعبي والنفوذ المتزايد للمقاومة أدى إلى فشل هذه الخطة.
وتفضل مصر المجاورة تشكيل لجنة مستقلة من التكنوقراط لإدارة غزة، على أن يتم إنشاؤها بموجب مرسوم رئاسي فلسطيني وفي إطار من الإجماع الفلسطيني. ومن شأن هذا النهج أن يضمن بقاء هيكل الحكم في “اليوم التالي” فلسطينياً، في حين يلبي في الوقت نفسه مطلب “إسرائيل” باستبعاد حماس من السلطة.
وتقول مصادر مصرية إن حركة حماس أكدت أنها لن تشارك في حكم القطاع خلال المرحلة المقبلة.
ويبدو هذا القرار بمثابة خطوة تكتيكية لتجنب الضغوط الخارجية. ولكن نتنياهو يسعى إلى ما هو أبعد من مجرد تهميش حماس؛ فهو يدعو إلى إبعاد قادتها ونزع سلاح جناحها العسكري، الأمر الذي يضع عقبات كبيرة أمام أي حل محتمل.
وما يزيد الأمور تعقيداً هو موقف جامعة الدول العربية، الذي يبدو أنه يتماشى مع المصالح الإسرائيلية. فقد قال الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي مؤخراً إن “المصالح الفلسطينية تتطلب خروج حماس من الساحة”.
ولقد دفع التصلب الإسرائيلي والانحياز العربي لهذا الموقف حماس إلى إعادة تأكيد موقفها. فقد أعلن أحد كبار مسؤولي حماس، أسامة حمدان، في منتدى الجزيرة في الدوحة الأسبوع الماضي أن “اليوم الذي يلي الحرب في غزة سيكون فلسطينياً بالكامل، وأن حماس لن تخرج من غزة بموجب أي اتفاقات، ولن يتم إقصاؤها من المشروع الفلسطيني تحت أي ضغوط أو تنفيذ لخطط خارجية”.
وحذر حمدان قائلاً: “كل من يحل محل الاحتلال الإسرائيلي في غزة أو أي مدينة فلسطينية سوف يتم التعامل معه كما نتعامل مع الاحتلال، من خلال المقاومة. هذه مسألة محسومة وليست قابلة للنقاش”.
السيطرة مستمرة للمقاومة
على الأرض، تظل حماس مسيطرة بقوة على الأمور، وهو الواقع الذي تأكد عندما رفعت الحركة لافتة خلال مراسم تبادل الأسرى كتب عليها: “نحن اليوم التالي”.
وبمجرد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أعادت حماس نشر قوات شرطتها في غزة واستأنفت البلديات تقديم الخدمات العامة للسكان، مما يدل على استمرارها في حكم القطاع، حيث كانت مسؤولة عن القطاع منذ فوزها في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006.
إن هذا الواقع يقوض جدوى الخطة المقترحة لنشر قوة حفظ سلام دولية، تشمل دولاً عربية، في مختلف أنحاء غزة، مع إنشاء منطقة عازلة في الشمال.
وبموجب هذه الخطة، سوف تتولى السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة أدواراً محددة، مع قيام شركات الأمن الخاصة بالإشراف على توزيع المساعدات وجهود إعادة الإعمار.
يبدو احتمال نزع سلاح المقاومة صعبًا للغاية، إن لم يكن مستحيلًا، في ظل الفظائع التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لقد قتلت قوات الاحتلال ما لا يقل عن 50 ألف فلسطيني وأصابت أكثر من 100 ألف آخرين. ويدرك الفلسطينيون أنه يتعين عليهم أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم.
ويشير الخبير في الشؤون الفلسطينية عبد الغني أبو شامة إلى أن المقاومة لا تثق بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي وسيط، ويضيف: “نعم، قد تتغير الأساليب، لكن الهدف يبقى هو نفسه، من الحجارة إلى السكاكين، ومن الكلاشينكوف إلى الصواريخ”.
وأبرز أن قضية نزع السلاح مطروحة منذ قرابة قرن من الزمان ـ على المستوى الدولي والإقليمي والعربي ـ إلا أنها قوبلت دوماً بالرفض الفلسطيني. وأضاف: “بالنسبة للفلسطينيين فإن حمل السلاح ليس مسألة هيبة، بل ضرورة للدفاع عن أنفسهم وأرضهم ومقدساتهم ضد الاحتلال”.
ويؤكد مراقبون أن حماس منفتحة على المصالحة الشاملة مع فتح، ودور وطني للسلطة الفلسطينية، وانتخابات تشريعية ورئاسية، بشرط ألا تستثنيها أي ترتيبات سياسية لإدارة غزة أو تتضمن نزع سلاحها.
وهذا يتوافق مع مفهوم “نحن اليوم التالي”، أو على أقل تقدير، “اليوم التالي يبقى فلسطينياً”.
وربما يكون قرار حماس بعدم المشاركة في الحكم مناورة سياسية أو استراتيجية مؤقتة لاستيعاب المخاوف الغربية بشأن استمرار سيطرتها على غزة. ولكن هذا لا يعني انسحابها من القطاع أو قبول نزع سلاحها أو تفكيك جناحها العسكري، بحسب المحلل السياسي محمد جمال.
تظل حماس العامل الرئيسي في معادلة غزة، ولابد من أخذ منظورها لما بعد ذلك في الاعتبار. وباعتبارها القوة الحاكمة بحكم الأمر الواقع في القطاع والفصيل العسكري الأكبر في المقاومة، فإن أي محاولة لاستبعادها من المشهد السياسي محكوم عليها بالفشل. وهناك مخاوف من أن تؤدي مثل هذه الخطوة إلى فوضى أمنية في غزة وصعود فصائل أكثر تطرفاً.
إن غزة ستظل صداعاً طويل الأمد، ليس فقط لإسرائيل، بل وللمنطقة بأسرها والعالم، وخاصة في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة مدعومة من الولايات المتحدة. هذه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة ترفض حل الدولتين وتتبنى القتل والتدمير كخيارات استراتيجية، في حين تواجه شعباً يؤمن بحقه في العيش على أرضه ولا يرى بديلاً سوى الانخراط في مقاومة مشروعة للاحتلال الإسرائيلي الوحشي.