وثائق مسربة: عباس يستفرد بتشكيل لجان انتخابات المجلس الوطني في الشتات
لإعادة هندسة منظمة التحرير

كشفت وثيقتان مسربتان تحملان شعار اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني عن تشكيل لجان انتخابات المجلس الوطني في عدد من دول الشتات، وسط استفراد كامل بذلك من رئيس سلطة رام الله محمود عباس وفريقه الحاكم.
وقد تعمد عباس الاستفراد الكامل في اختيار أعضاء اللجان التحضيرية من دون إجراء أي مشاورات مع الفصائل الفلسطينية أو مؤسسات المجتمع المدني أو ممثلي الجاليات الفلسطينية، وذلك تمهيدًا لإعادة هندسة تركيبة المجلس الوطني الفلسطيني وضمان السيطرة المسبقة على مخرجاته.
وتُظهر القوائم أسماء أعضاء اللجان التحضيرية في عدد من الدول الأوروبية، فيما يبرز بصورة واضحة أن غالبية الأسماء الواردة تنتمي إلى حركة فتح أو تشغل مناصب رسمية في سلطة رام الله أو مؤسساتها.
وأثار ذلك انتقادات واسعة بشأن آليات تشكيل اللجان التي يفترض أن تتولى الإشراف على واحدة من أهم المحطات السياسية المرتبطة بإعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير.
منظمة التحرير الفلسطينية ويكيبيديا
تعكس طريقة تشكيل اللجان التحضيرية استمرار احتكار القرار داخل منظمة التحرير، في وقت يفترض فيه أن تمثل انتخابات المجلس الوطني جميع الفلسطينيين في الداخل والشتات، باعتبار المجلس الوطني أعلى هيئة تشريعية في المنظمة والمسؤول عن انتخاب اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي ورسم السياسات العامة.
وتأتي هذه التطورات عقب صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد موعد انتخابات المجلس التشريعي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى العام التالي، بينما خلا المرسوم من أي موعد لإجراء انتخابات المجلس الوطني، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل هذا الاستحقاق وآلية تشكيله.
وكشفت مصادر صحفية في وقت سابق أن استبعاد انتخابات المجلس الوطني من المرسوم الرئاسي جاء نتيجة اعتبارات سياسية ولوجستية، إلى جانب ترتيبات داخلية تقودها حركة فتح لإعادة تشكيل المجلس الوطني في الخارج عبر آليات التعيين بدلاً من الانتخابات المباشرة.
وبحسب تلك المصادر، فإن عدداً من الدول الأوروبية أبلغ سلطة رام الله بعدم استعدادها للإشراف على انتخابات المجلس الوطني، باعتبار أن اعترافها القانوني والسياسي يقتصر على مؤسسات السلطة الفلسطينية، ولا يشمل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
كما أبدت دول أوروبية وعربية تحفظها على استضافة أو تنظيم انتخابات خاصة بالمجلس الوطني للفلسطينيين المقيمين على أراضيها، وهو ما اعتُبر أحد أبرز العوائق أمام تنظيم انتخابات شاملة ومتزامنة للمجلس التشريعي والمجلس الوطني.
استفراد حركة فتح بمؤسسات منظمة التحرير
كشفت مصادر مطلعة أن حركة فتح توصلت قبل أسابيع إلى تفاهمات مع عدد من الفصائل بشأن إعداد قائمة تضم نحو 150 عضواً للمجلس الوطني عن فلسطينيي الخارج، على أن يتم اعتمادهم بالتعيين أو عبر توافقات سياسية، بدلاً من انتخابهم من أبناء الجاليات الفلسطينية.
غير أن هذه الترتيبات أثارت حالة من الاعتراض داخل عدد من فصائل منظمة التحرير، خصوصاً في الساحتين اللبنانية والسورية، بعدما تحدثت مصادر فلسطينية عن قيام حركة فتح بإعداد قوائم المرشحين بصورة منفردة، دون مطالبة الفصائل بترشيح ممثلين عنها أو إشراكها في آليات اختيار أعضاء اللجان التحضيرية.
ويقول مراقبون إن الوثائق المتداولة تعزز هذه المخاوف، إذ تكشف أن تشكيل اللجان تم بصورة مركزية، فيما غابت عنها شخصيات مستقلة وممثلون عن مؤسسات المجتمع المدني والجاليات الفلسطينية، رغم أن المجلس الوطني يفترض أن يمثل مختلف التجمعات الفلسطينية في العالم.
ومعروف أن اللجان التحضيرية تمثل الحلقة الأولى في العملية الانتخابية، ولذلك فإن السيطرة على تشكيلها تمنح القيادة الحالية قدرة واسعة على التأثير في مراحل إعداد السجل الانتخابي وآليات الترشيح والإشراف، بما ينعكس في النهاية على تركيبة المجلس الوطني نفسه.
ولا تنحصر الأزمة بأسماء أعضاء اللجان، بل كذلك في غياب أي عملية تشاور وطني تسبق تشكيلها، لا سيما أن احتكار القرار داخل منظمة التحرير يتناقض مع الدعوات المتكررة لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية.
وتتزايد أهمية هذا الملف بالنظر إلى الدور المحوري للمجلس الوطني، الذي يمتلك صلاحية انتخاب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وإعادة تشكيل المجلس المركزي، وهو ما يجعل تركيبته عاملاً حاسماً في تحديد مراكز القرار الفلسطيني خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل الحديث المتواصل عن ترتيبات مرحلة ما بعد محمود عباس.
ويشدد مراقبون على أن أي عملية إصلاح حقيقية للنظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن تقوم على التعيينات أو القوائم المغلقة، وإنما تستوجب انتخابات شاملة يشارك فيها الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه وفق قواعد متفق عليها وطنياً، بما يضمن تمثيلاً عادلاً لمختلف القوى السياسية والمجتمعية.
وفي ظل استمرار غياب التوافق الوطني، واستبعاد قوى فلسطينية رئيسية من ترتيبات إعادة تشكيل المجلس الوطني، تتصاعد المخاوف من أن تتحول العملية الجارية إلى إعادة إنتاج للبنية القائمة داخل منظمة التحرير، بدلاً من أن تكون مدخلاً لتجديد شرعيتها واستعادة دورها بوصفها الممثل الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات.






