دراسة تكشف دور المجتمع والأجهزة الأمنية في مواجهة العصابات العميلة بغزة

يشهد قطاع غزة تحوّلًا في طبيعة التهديدات الأمنية نتيجة انتشار العصابات العميلة، التي تعمل ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر كأداة استخبارية للاحتلال.
وتشير دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، إلى أن هذه الشبكات تعتمد على التشغيل المحلي لإضعاف النسيج المجتمعي واستنزاف فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية.
وتبين الدراسة أن المواجهة مع هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل تتطلب إدارة الفوضى الاجتماعية والأمنية عبر تكامل الجهد الأمني ووعي المجتمع، مع دور محوري للعائلات والعشائر في احتواء الشباب المغرر بهم.
ويؤكد الباحثون أن المجتمع يصبح في هذه البيئة خط الدفاع الأول، بينما تمثل الأجهزة الأمنية الدرع الفعال ضد الاختراقات الداخلية.
وتشير الدراسة إلى أن التطورات في قطاع غزة تعكس تحول الاحتلال نحو أدوات استخباراتية منخفضة الظهور، تعتمد على شبكات محلية تعمل ضمن الخط الأصفر، وأن هذا التحول يهدف إلى تقليل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة وتوسيع أدوات العمل الاستخباري الداخلي لتحقيق تأثير مستدام داخل البيئة المحلية دون الانخراط المستمر في عمليات عسكرية واسعة.
وتعتمد هذه الشبكات على خلايا صغيرة وتنفيذ عمليات منخفضة الانكشاف، ما يسمح بإنجاز أهداف استخبارية دون إثارة الانتباه وتقليل التبعات السياسية المباشرة، وفي الوقت نفسه يُحدث تحولًا في طبيعة الاشتباك، من مواجهة تقليدية بين قوة عسكرية وفصائل المقاومة إلى صراع أكثر تعقيدًا داخل المجتمع المحلي نفسه.
وتبين الدراسة أن الخط الأصفر تحول من كونه منطقة عازلة ذات وظيفة عسكرية محدودة إلى مساحة تشغيل أمني واستخباري متعددة الأدوار، حيث تُوظف مجموعات محلية في مهام الرصد والتنفيذ، مع استخدام التغطية الجوية بشكل غير مباشر لتأمين بيئات التشغيل.
وتؤكد أن هذا النمط يتيح اختبار السيطرة الأمنية دون الحاجة إلى احتلال مادي دائم للأرض، ويجعل الخط الأصفر منطقة وسيطة بين السيطرة العسكرية المباشرة وإدارة المجال الأمني عن بُعد، مع تحويل جزء كبير من الصراع إلى الداخل المجتمعي.
مواجهة العصابات العميلة بغزة
وتشير الدراسة إلى أن انتشار العصابات العميلة داخل المجتمع يؤدي إلى إضعاف مستويات الثقة واستنزاف القدرات الأمنية في مواجهة تهديدات منخفضة الظهور، كما يخلق حالة دائمة من الفوضى يصعب التعامل معها بالوسائل التقليدية، ما يحوّل المجتمع تدريجيًا إلى ساحة اشتباك إضافية.
وتبين أن هذا التحول له انعكاسات مباشرة على بنية المقاومة، إذ يغير طبيعة التهديد الأمني من قوة عسكرية مباشرة إلى تهديد شبكي غير مرئي، ويزيد العبء على الأجهزة الأمنية التي تضطر إلى توجيه جزء معتبر من جهودها نحو العمل الداخلي، ما يوسع دائرة الاشتباه ويستنزف الوقت والموارد.
وتؤكد أن المواجهة لم تعد تقتصر على الرد الأمني التقليدي، بل تتطلب تحصين المجتمع نفسه من الاختراق قبل وقوعه، إذ لا تعمل العصابات العميلة ككيانات قتالية مستقلة، بل كأدوات ضمن هندسة صراع تستهدف الداخل قبل خطوط المواجهة.
وتشير إلى أن نجاح المواجهة يرتبط بقدرة المجتمع على التصدي لمحاولات الاختراق عبر رفع الوعي بأساليب الاستقطاب والاستغلال، وبناء قنوات ثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، مع تعزيز العمل الوقائي المبكر والتدخل المجتمعي قبل تحول الانحراف الفردي إلى تهديد منظم.
وتبين الدراسة أيضًا أن إدارة الأثر النفسي للصراع عبر تقديم تفسير عقلاني للأحداث ومنع تضخيمها تُعد جزءًا من المواجهة، إذ يقلل الاستقرار الإدراكي من القيمة الاستراتيجية لأي اختراق محدود.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن تفكيك خلايا محلية وإحباط محاولات اغتيال، إلى جانب التسليم الطوعي لبعض العناصر بعد تدخل العائلات، يؤكد أن الظاهرة لا تقوم على بنية تنظيمية صلبة، بل تعتمد على شبكات تشغيل مرنة تستفيد من الظروف الضاغطة.
وتشير الدراسة إلى أن المستقبل يحمل عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار الضبط الأمني المتقدم، مما يؤدي إلى تحجيم قدرة العملاء وتعزيز ثقة المجتمع، وبين توسع محدود للشبكات في مناطق الهشاشة، أو فشل محاولات الاختراق نتيجة يقظة المجتمع وفعالية الأجهزة الأمنية، وصولًا إلى تصاعد الحرب النفسية والإعلامية لتعويض محدودية القدرة الميدانية.
وتوضح أن السيناريو الأكثر احتمالًا هو استمرار الضبط الأمني مع مواجهة ضغوط متفرقة، ما يتطلب عمليات استباقية دورية لضمان بيئة أمنية مستقرة وتحويل المجتمع إلى خط دفاع أول.
وتؤكد أن مواجهة العصابات العميلة داخل الخط الأصفر تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الفلسطيني وأجهزته الأمنية على حماية الداخل،
وبينت الدراسة أن نجاح المواجهة يرتبط بفعالية الأجهزة الأمنية، ووعي المجتمع، ودور العائلات والعشائر في احتواء الأبناء المغرر بهم وإعادة دمجهم ضمن البيئة الآمنة، ليصبح المجتمع بذلك خط الدفاع الأول، والأجهزة الأمنية الدرع الفعّال للحفاظ على استقرار القطاع ومقاومة محاولات الاحتلال لاختراقه.





