انفجار فاتورة الرواتب يفضح فساد سلطة رام الله
1.53 مليار شيقل زيادة خلال 6 سنوات رغم سياسة “صفر توظيف”

تكشف بيانات مالية حديثة عن تصاعد حاد في فاتورة الرواتب لموظفي السلطة الفلسطينية خلال السنوات الست الأخيرة، بزيادة بلغت 1.53 مليار شيقل، ما يعادل نحو 22%، في مؤشر مباشر على اختلال عميق في إدارة المال العام وتضخم إنفاقي غير مبرر.
وتُظهر الأرقام أن فاتورة الرواتب ارتفعت من 6.88 مليار شيقل عام 2020 إلى 7.79 مليار شيقل في 2021، ثم إلى 8.11 مليار شيقل في 2022، وصولاً إلى 8.35 مليار شيقل في 2023، و8.45 مليار شيقل في 2024، قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى 8.41 مليار شيقل مع نهاية 2025، دون أن يغير ذلك من الاتجاه التصاعدي العام.
ويعكس هذا المسار المتصاعد خللاً بنيوياً في السياسات المالية للسلطة الفلسطينية، خاصة أنه يأتي بالتزامن مع إعلان الحكومات المتعاقبة سياسة “صفر توظيف”، ما يؤكد وجود محركات خفية لتضخم الرواتب، على رأسها الترقيات المتراكمة والعلاوات الانتقائية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تظهر الأرقام أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة مرتبط بنظام ترقيات واسع، خاصة داخل الأجهزة الأمنية، ما أدى إلى تضخم غير متوازن في الهيكل الوظيفي، وخلق فجوات حادة في الرواتب بين الفئات المختلفة، في صورة تعكس غياب العدالة الوظيفية.
ويكشف هذا الواقع عن فشل واضح في ضبط النفقات العامة، وغياب إصلاحات جذرية في القوانين الناظمة للخدمة المدنية والعسكرية، ما أبقى الباب مفتوحاً أمام تضخم مستمر في بند الرواتب، الذي يستهلك جزءاً كبيراً من الموازنة العامة.
وترتبط الأزمة بشكل مباشر ببنية إنفاق مختلة، حيث تتحول الرواتب إلى عبء متزايد على الخزينة العامة وصندوق التقاعد، في ظل غياب أي سياسات فعالة لإعادة التوازن المالي.
تضخم غير طبيعي في الجهاز الحكومي
يؤكد الخبير المالي مؤيد عفانة أن ما يجري هو نتيجة خلل تاريخي مركب وتراكمي، ناتج عن سنوات من السياسات المرتبكة والتشريعات المشوهة التي أدت إلى تضخم غير طبيعي في الجهاز الحكومي.
ويوضح عفانة أن جذور الأزمة تعود إلى الإطار التشريعي للخدمة المدنية وقانون الخدمة في قوى الأمن، إضافة إلى التوسع غير المنضبط في إنشاء المؤسسات العامة، وتضخم الهياكل الإدارية، ما أنتج جهازاً حكومياً مترهلاً عالي الكلفة.
ويشير إلى أن العامل الأخطر يتمثل في تراكم الترقيات والأقدميات عبر الزمن، سواء في القطاع المدني أو الأمني، ما خلق إرثاً مالياً ثقيلاً يرفع الرواتب تلقائياً دون ارتباط بالإنتاجية أو الحاجة الفعلية.
ويؤكد أن هذه الالتزامات لا تتوقف عند حدود الرواتب الحالية، بل تمتد إلى مرحلة التقاعد، حيث تتحول إلى عبء إضافي على صندوق المعاشات، ما يهدد استدامته المالية على المدى المتوسط والبعيد.
الأزمة المالية الفلسطينية
رغم تبني سياسة “صفر توظيف”، استمرت الأزمة في التفاقم، نتيجة هذا التراكم المالي الذي يضغط على الموازنة دون توقف، في غياب أي معالجة هيكلية حقيقية.
ويكشف عفانة عن عاملين رئيسيين يقفان وراء انفجار فاتورة الرواتب: الأول يتمثل في العلاوات النقابية الناتجة عن اتفاقيات مع النقابات، أدت إلى رفع علاوات فئات محددة مثل علاوات طبيعة العمل والمخاطرة والعلاوات الخاصة، ما خلق تشوهاً واضحاً في سلم الرواتب.
أما العامل الثاني فيتمثل في الترقيات الدورية داخل الأجهزة الأمنية، التي تتم بشكل شبه تلقائي وفق القوانين المعمول بها، ما أدى إلى تضخم الرتب العليا بشكل غير طبيعي، وتحول الهرم العسكري إلى بنية مختلة تفتقر إلى التوازن.
ويؤدي هذا الواقع إلى تشوه مزدوج، مالي وإداري، حيث تتضخم النفقات دون تحقيق كفاءة مؤسسية، وتتراجع فعالية الجهاز الحكومي مقابل ارتفاع كلفته التشغيلية.
وتعكس هذه المؤشرات غياب الحوكمة المالية الرشيدة، واستمرار إدارة الموارد العامة بعقلية غير إصلاحية، ما يكرس حالة الاستنزاف المالي ويضعف قدرة السلطة على مواجهة أزماتها الاقتصادية المتراكمة.
ويحذر عفانة من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى استنزاف متسارع لصندوق التقاعد، خاصة في ظل وجود فئات لا تساهم فيه بشكل فعلي، ما يزيد من هشاشة النظام المالي، داعيا إلى إعادة صياغة شاملة لقانون الخدمة المدنية وقانون قوى الأمن، وفق أسس علمية ومبادئ الحوكمة، بهدف معالجة التشوهات القائمة وتحقيق العدالة الوظيفية.
وتؤكد هذه الأرقام أن أزمة السلطة الفلسطينية هي أزمة إدارة وفساد هيكلي في بنية الإنفاق، حيث تتحول الرواتب إلى أداة استنزاف ممنهج للموارد العامة ما يكرس غياب الشفافية والإصلاح الحقيقي الذي سمح بتراكم هذه الاختلالات، في وقت تتحمل فيه الخزينة أعباء متزايدة دون وجود خطة واضحة للمعالجة.





