تحركات في رام الله لإقناع جنوب أفريقيا بسحب دعواها ضد إسرائيل

حذّرت خبيرة في القانون الدولي من تداعيات تحركات تصدر عن السلطة في رام الله، بهدف التأثير على مسار الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد “إسرائيل”، والمتعلقة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، معتبرة أن إدخال اعتبارات سياسية على هذا الملف قد يسيء إلى طبيعته القانونية الحساسة.
وبحسب ما نُشر نقلاً عن موقع “أوروبا بالعربي” وأورده موقع “المسار” المقرب من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فإن هناك مساعٍ تُنسب للسلطة لإقناع جنوب أفريقيا بإعادة النظر في الدعوى أو سحبها، في سياق ترتيبات غير معلنة ترتبط بملفات مالية، من بينها أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى الجانب الإسرائيلي.
دعوى جنوب أفريقيا
وتشير هذه المعطيات، وفق ما تم تداوله، إلى أن الملف لا يقتصر على بعده القانوني فقط، بل يمتد إلى حسابات سياسية داخلية، تربط بين بعض التحركات ومحاولات إعادة ترتيب المشهد القيادي داخل السلطة، بما في ذلك الحديث عن دور محتمل لياسر عباس، نجل رئيس السلطة، في سياقات سياسية مستقبلية، وهو ما يثير انتقادات تتعلق بامتزاج الاعتبارات العائلية والسياسية في إدارة الملفات العامة.
وفي المقابل، أكدت أستاذة القانون والسياسة في جامعات باريس، لينا الطبال، أن ما يُتداول بشأن قدرة أي طرف ثالث على التأثير في دعوى مرفوعة أمام محكمة العدل الدولية لا يستند إلى أساس قانوني، موضحة أن القضية هي نزاع قانوني حصري بين جنوب أفريقيا و”إسرائيل”، ولا يحق لأي جهة خارج هذا الإطار التدخل في مسارها الإجرائي.
وأوضحت الطبال أن الدعوى تقوم على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تلزم الدول الموقعة بمنع ومعاقبة هذه الجرائم، وتمنح محكمة العدل الدولية صلاحية النظر في النزاعات بين الدول الأطراف، مشيرة إلى أن طبيعة هذه القضايا تجعلها محكومة بقواعد قانونية صارمة لا يمكن إخضاعها للضغوط السياسية أو التفاهمات غير الرسمية.
وأضافت أن الحديث عن “سحب الدعوى” أو التأثير على مسارها من قبل أطراف لا علاقة لها مباشرة بالقضية يعكس خلطًا بين السياسة والقانون، مؤكدة أن أقصى ما يمكن أن تمارسه السلطة الفلسطينية هو ضغط سياسي أو دبلوماسي غير ملزم داخل مسار المحكمة.
وشددت الطبال على أن وقف الدعوى أو سحبها لا يمكن أن يتم إلا من خلال الدولة التي رفعتها، أي جنوب أفريقيا، وبقرار رسمي ومكتوب أمام محكمة العدل الدولية، لافتة إلى أن حتى في حال انسحابها، فإن ذلك لا ينهي بالضرورة المسار القضائي، إذ يمكن لدول أخرى أن تتبنى القضية أو ترفع دعاوى مشابهة استنادًا إلى الاتفاقية ذاتها.
وفي سياق تقييمها العام، رأت الخبيرة أن تحويل المسارات القانونية الدولية إلى أدوات تفاوض سياسية يضر بمصداقية العدالة الدولية، ويخلق انطباعًا بأن هذه المنظومات قابلة للتأثير أو المقايضة، في حين أنها تقوم على أسس قانونية مستقلة.
كما أشارت إلى أن التجارب السابقة، ومنها الجدل الذي رافق تقرير غولدستون عام 2010، ما زالت تلقي بظلالها على ثقة المؤسسات الدولية بالنهج الفلسطيني في التعامل مع ملفات العدالة الدولية، خصوصًا في ظل اتهامات بأن بعض القرارات السابقة تأثرت باعتبارات سياسية.
وتطرقت الطبال إلى العلاقة بين السلطة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية، ووصفتها بأنها علاقة معقدة تجمع بين التعاون والتوتر، نتيجة اختلاف الأولويات بين العمل الحقوقي المستقل والحسابات السياسية الرسمية، في وقت يواجه فيه هذا القطاع تحديات إضافية بفعل الضغوط المالية والسياسية والإسرائيلية والدولية.
وشددت على أن جوهر الإشكال لا يتعلق بغياب الأدوات القانونية، بل بغياب استراتيجية سياسية واضحة ومستقرة لتفعيل هذه الأدوات، معتبرة أن استمرار التعامل مع القانون الدولي كأداة تفاوضية قصيرة المدى قد يؤدي إلى إضعاف فعاليته على المدى البعيد، ويثير تساؤلات حول جدية المسار الفلسطيني في متابعة قضايا المساءلة الدولية حتى نهايتها.



