تحليلات واراء

دراسة: نيكولاي ميلادينوف أداة لإعادة هندسة قطاع غزة وفق الرؤية الإسرائيلية

هاجمت دراسة بحثية الممثل السامي لغزة في إطار ما يسمى “مجلس السلام” الأمريكي، نيكولاي ميلادينوف، ووصفته بأنه أداة لإعادة هندسة قطاع غزة وفق الرؤية الإسرائيلية.

وأبرزت الدراسة الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، تجنّب التقرير الذي قدمه مؤخرا ما يسمى “مجلس السلام” في غزّة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تحميل الاحتلال الإسرائيلي أي مسؤولية عن الخروقات، وتجاهله عمليات القتل والاغتيالات والتوسع العسكري وتشديد الحصار المفروض على القطاع، على الرغم من رصده انتهاكات وُصف “بعضها” بأنه “جسيم”.

وأشار التقرير، وهو الأول الذي يرفعه المجلس منذ أن أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رسمياً عن إطلاقه في 15 يناير الماضي، إلى أن وقف إطلاق النار “صمد إلى حد بعيد سبعة أشهر”، على الرغم من اعتراف ميلادينوف، في 13مايو، بعدم إحراز “تقدم يذكر” في تنفيذ الركائز الأساسية لاتفاق وقف إطلاق النار.

والأغرب أن ميلادينوف حمل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مسؤولية هذا التعثّر عندما ربط التقدم في تنفيذ الاتفاق وبدء عملية إعادة الإعمار بمسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهدد في القاهرة، بأن الذين يفاوضهم سوف يدفعون الثمن إذا لم يوافقوا على مقترحاته.

وقد أثار ذلك كله أسئلة جوهرية بشأن المجلس، والهدف من إنشائه، في المقام الأول، إذا كان غير قادر على وقف انتهاكات إسرائيل اليومية في القطاع ومحاولاتها إعادة بسط سيطرتها الأمنية عليه، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية طويلة المدى تعيد تشكيل الواقع الفلسطيني فيه تحت غطاء دولي.

إدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار

ارتبط إنشاء “مجلس السلام” بمحاولة إعادة ترتيب الوضع في قطاع غزّة في مرحلة ما بعد الحرب ضمن هيكلية سياسية – أمنية ترعى الولايات المتحدة من خلالها سعي إسرائيل إلى تحقيق أهدافها التي لم تحققها خلال الحرب تحت غطاء دولي.

وقد تأسس المجلس بموجب قرار مجلس الأمن 2803، الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وأعلن ترامب عنه بوصفه هيئة انتقالية دولية تشرف على إعادة إعمار القطاع وإدارة المرحلة الانتقالية فيه، إلى جانب “اللجنة الوطنية لإدارة غزّة”، و”مجلس غزّة التنفيذي”، و”قوة الاستقرار الدولية”.

وتولى ميلادينوف صلاحيات تتعلق بتنسيق التمويل والإشراف على ترتيبات “اليوم التالي”. وكشف مسار عمل المجلس سريعاً أن أولويته الفعلية تتمحور حول إعادة صياغة الواقع السياسي والأمني في القطاع بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، وربط ملفات إعادة الإعمار والإدارة المدنية والمساعدات الإنسانية بالترتيبات الأمنية المتعلقة بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

ظهر هذا التوجه بوضوح خلال إحاطة “مجلس السلام” أمام مجلس الأمن في 28 إبريل/ نيسان 2026، حين ربط عضو المجلس التنفيذي، توني بلير، بين رفع القيود المفروضة على القطاع ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

وقد برز هذا الطرح جلياً في تقرير المجلس المقدّم إلى مجلس الأمن في مايو 2026، حين اعتبر أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ قبل “نزع سلاح حماس وجميع الجماعات المسلحة في غزّة بالكامل”، ووصف هذا بأنه “المتغير الحاسم، والعامل الذي يفتح الباب أمام كافة العناصر الأخرى في الخطة”.

وقد تعاملت حماس مع هذا التوجه بوصفه “محاولة مشبوهة لخلط الأوراق” وتعطيلاً لمسار الاتفاق ومراحله المتفق عليها، مؤكدة أن المجلس تبنّى عمليّاً شروط الاحتلال الإسرائيلي وأولوياته الأمنية.

وبرز هذا التعطيل بوضوح في تحديد وضع “اللجنة الوطنية لإدارة غزّة” التي شُكّلت بوصفها لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، والإشراف على عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية.

وعلى الرغم من أن اللجنة حظيت بالتوافق على تشكيلها ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، وموافقة الفصائل والرئاسة الفلسطينية عليها باعتبارها إطاراً إداريّاً لإدارة المرحلة، فإنها لم تحصل على إذن لدخول القطاع لمباشرة مهماتها.

وقد أعلن رئيسها، علي شعث، في 30 إبريل أنه تلقّى، من خلال ميلادينوف، موافقة مبدئية لدخولها إلى القطاع، مؤكداً استعداد أعضائها للعمل فوراً، إلا أن هذا لم يحصل، لأن إسرائيل مطلقة اليد ومحصّنة في علاقتها مع المجلس.

ورفضت “حماس” محاولات المجلس تحميلها المسؤولية عبر اتهامها بالتمسك بإدارة القطاع، مشيرة إلى أنها أعلنت مرارًا استعدادها لتسليم إدارته للجنة الوطنية، ودعت إلى تمكين اللجنة من العمل، وأن الاحتلال هو من يمنعها من الوصول إلى القطاع لتولّي مهماتها.

ويكشف ذلك أن المجلس ربط أيضاً عمل اللجنة والإغاثة وإعادة الإعمار بترتيبات أمنية وسياسية تخدم الرؤية الإسرائيلية للقطاع.

وتزامن ذلك كله مع توسّع السيطرة الإسرائيلية الميدانية داخل القطاع بعد وقف إطلاق النار، حيث نقلت القوات الإسرائيلية “الخط الأصفر” المتفق عليه للسيطرة داخل غزّة غرباً إلى ما بعد حدوده الأصلية، وأنشأت ما لا يقل عن 32 موقعاً عسكرياً دائماً أو طويل الأمد.

ووثّق مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان استهشاد 167 فلسطينيّاً قرب المناطق العازلة بين أكتوبر 2024 ويناير 2026، بينهم أطفال ونساء، في حين أكدت منظمة أطباء بلا حدود أن التوسع الإسرائيلي “التهم مناطق المياه والمرافق الصحية”.

غزة ما بعد وقف إطلاق النار

على الرغم من إعلان ترامب، في 9 أكتوبر 2025، التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في قطاع غزّة، بقي الاتفاق محصورًا عمليًا في تنفيذ جزء من ترتيبات المرحلة الأولى، وفي مقدّمتها تبادل الأسرى والجثامين بين الاحتلال وفصائل المقاومة.

وفي حين التزمت فصائل المقاومة بتنفيذ متطلبات هذه المرحلة، تنصلت دولة الاحتلال من أكثر تعهداتها وأهمها الانسحاب إلى ما وراء الخط الأصفر، وإدخال المساعدات الإنسانية على نحو منتظم، وتخفيف القيود العسكرية المفروضة على القطاع.

ومع أن دولة الاحتلال لم تلتزم بوقف إطلاق النار، وبتنفيذ بقية متطلبات المرحلة الأولى، فقد أعلنت الإدارة الأميركية، في يناير 2026، بدء المرحلة الثانية من خطتها المستندة إلى قرار مجلس الأمن 2803، والمتضمنة إطلاق عملية إعادة الإعمار والانتقال إلى ترتيبات “اليوم التالي”، لأنها كانت مستعجلة في نزع سلاح المقاومة.

ومع ذلك، واصلت دولة الاحتلال تعطيل الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة، ما عكس تعاملها مع وقف إطلاق النار باعتباره ترتيبات أمنية مؤقتة أكثر من كونه نهاية فعلية للحرب.

وقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين منذ سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 وحتى منتصف مايو 2026 نحو 871 شهيداً، إضافة إلى 2562 جريحاً، في حين انتشلت طواقم الإسعاف والدفاع المدني 776 جثماناً من مناطق مختلفة في القطاع، وما زال متعذّرًا انتشال جثت أخرى بسبب عدم توافر الأدوات اللازمة.

وتعكس هذه الأعداد استمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع، وتعرّضه للاستهداف اليومي على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار.

وامتدت الانتهاكات الإسرائيلية إلى الملف الإنساني، مع استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات والوقود والمستلزمات الطبية، الأمر الذي أبقى الأزمة الإنسانية في القطاع عند مستويات حرجة.

فرض الرؤية الإسرائيلية

خلصت الدراسة إلى أنه بات واضحاً أن المسار الذي أنشأه “مجلس السلام”، وربطه إعادة الإعمار وإدخال المساعدات وتحسين الظروف المعيشية في القطاع بمسألة نزع سلاح المقاومة يستهدف وضع ترتيبات أمنية وسياسية تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية لمستقبل القطاع.

وفي هذا الإطار، قدّم المجلس في أواخر مارس 2026 رؤية إلى حركة حماس تتضمن تدمير شبكة الأنفاق وتسليم السلاح على مدى ثمانية أشهر، مقابل ترتيبات تتعلق بإدارة القطاع وإعادة إعماره وانسحاب القوات الإسرائيلية منه بعد “التحقق النهائي من خلوه من السلاح”، من دون أن تتضمّن تلك الرؤية أيّ إشارة إلى الدولة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.

ويعني هذا بوضوح أن المجلس يستخدم إعادة الإعمار ورفع القيود الإنسانية أدوات ضغطٍ سياسي وأمني لفرض شروط إسرائيل المتعلقة بمستقبل القطاع والمقاومة الفلسطينية، في محاولةٍ لفرض ما لم تحققه خلال الحرب.

ويتوافق هذا أيضاً مع مناقشة الولايات المتحدة و”مجلس السلام” تنفيذ “الخطة البديلة” في المناطق الخارجة عن سيطرة “حماس” في القطاع، بما يشمل إدخال اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية وقوات الاستقرار الدولية وبدء مشاريع إعادة الإعمار جزئيّاً.

وبحسب الدراسة فإن ذلك يعكس توجهاً نحو فرض ترتيبات أمنية وسياسية تسعى من خلالها دولة الاحتلال إلى إعادة تقسيم القطاع سياسيّاً وأمنيّاً، وربط الحقوق الإنسانية الأساسية باعتبارات السيطرة والولاء السياسي أكثر من ارتباطها بإنهاء حرب الإبادة والكارثة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى