معالجات اخبارية

توجه عربي ودولي لوضع سلطة رام الله تحت الوصاية بسبب فسادها

كشفت مصادر فلسطينية وعربية عن تحركات أمريكية وعربية وأوروبية لوضع آلية رقابة وإشراف مالي على السلطة الفلسطينية في رام الله، وسط تصاعد الانتقادات بشأن طريقة إدارة المال العام وتفاقم ظواهر فسادها وسوء توزيع الموارد.

وأكدت المصادر أن الاتصالات الجارية بين عدة أطراف دولية وإقليمية تبحث صيغة تضمن مراقبة أوجه الصرف داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً قبل استئناف أو زيادة أي دعم مالي خلال المرحلة المقبلة.

وقالت المصادر إن قيادة السلطة الفلسطينية أُبلغت بهذه التوجهات، التي حظيت بتأييد بعض الدول العربية التي ترى أن استمرار تقديم الأموال دون رقابة واضحة لم يعد ممكناً في ظل الأزمة المالية المتصاعدة وغياب إصلاحات حقيقية داخل المؤسسات الرسمية.

وأضافت أن عدداً من الدول المانحة يعتبر أن الإجراءات التي أعلنتها قيادة السلطة خلال الفترة الماضية لم تصل إلى مستوى الإصلاح المطلوب، خصوصاً فيما يتعلق بوقف التجاوزات المالية والإدارية ومراجعة مواقع بعض الشخصيات التي لا تزال تحتفظ بمناصب مؤثرة رغم الانتقادات الموجهة لأدائها.

وبحسب المصادر، فقد تلقت القيادة الفلسطينية رسائل واضحة تتضمن خطوات مطلوبة لمعالجة الأزمة، بينها تغييرات داخل بعض المواقع الرسمية، وإعادة النظر في آليات الإنفاق، وتعزيز الشفافية قبل الحديث عن ضخ مساعدات مالية جديدة.

فساد السلطة الفلسطينية

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع جدل واسع أثارته بيانات حديثة نشرتها مؤسسة “مفتاح”، كشفت عن تخصيص ملايين الدولارات لتأهيل قصر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في بيت لحم، في وقت تعاني فيه المؤسسات الحكومية من أزمة مالية خانقة انعكست على قطاعات حيوية مثل الصحة ورواتب الموظفين.

وأظهرت البيانات تخصيص أكثر من 6 ملايين دولار خلال عام 2023 لمشروع تأهيل القصر الرئاسي في بيت لحم، مع استمرار الإنفاق على المشروع حتى نهاية العام الماضي، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أولويات الصرف داخل سلطة رام الله.

وجاء الكشف عن هذه الأرقام خلال مؤتمر نظمته مؤسسة “مفتاح” بعنوان “عدالة توزيع الإنفاق العام وأولويات الخدمات الأساسية في ظل الأزمة المالية”، حيث ناقش المشاركون إدارة الموارد العامة وطبيعة توزيع الموازنات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وأثارت البيانات انتقادات واسعة بشأن توجيه مبالغ كبيرة إلى مشاريع يمكن تأجيلها، بينما تواجه المستشفيات الحكومية نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعاني قطاعات أساسية من تراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

كما أظهرت البيانات تخصيص أكثر من مليون دولار للنصب التذكاري، الأمر الذي فتح نقاشاً جديداً حول الفجوة بين الاحتياجات اليومية للفلسطينيين وقرارات الإنفاق الحكومية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تعيش السلطة الفلسطينية واحدة من أسوأ أزماتها المالية منذ سنوات، مع استمرار أزمة صرف رواتب موظفي القطاع العام منذ أواخر عام 2021، وتراكم الديون الداخلية والخارجية، وزيادة اعتماد الحكومة على الاقتراض.

وكشفت بيانات “مفتاح” أن القطاع الأمني ما يزال يحتل المرتبة الأولى في أولويات الإنفاق ضمن الموازنة الفلسطينية لعام 2025، بعدما خُصص له 21% من إجمالي الموازنة، إضافة إلى 1.4% لقطاع النظام العام والسلامة.

في المقابل، بلغت حصة قطاع التعليم 19.3%، بينما حصل قطاع الحماية الاجتماعية على 18.4%، وخدمات الجمهور العام على 17.1%.

أما قطاع الصحة، الذي يواجه تحديات كبيرة نتيجة نقص الموارد والأدوية والتحويلات الطبية، فقد حصل على 15.6% فقط من إجمالي الموازنة.

وأعادت هذه الأرقام طرح ملف ترتيب الأولويات داخل السلطة الفلسطينية، خصوصاً مع استمرار الشكاوى المتعلقة بتراجع الخدمات الأساسية مقابل استمرار مستويات مرتفعة من الإنفاق الإداري والأمني.

وفي تفاصيل بنود الإنفاق، أظهرت البيانات أن الرواتب والأجور تستحوذ على نحو 42% من إجمالي النفقات العامة، بقيمة تصل إلى 8.6 مليار شيقل سنوياً، بينما بلغت النفقات التحويلية 17.68%، واستخدام السلع والخدمات 15.04%.

كما كشفت الأرقام عن ارتفاع الدين العام الفلسطيني بشكل كبير خلال عام واحد فقط، بعدما زاد بنحو 1.8 مليار شيقل، ليصل مطلع عام 2025 إلى 15.4 مليار شيقل مقارنة بـ13.6 مليار شيقل بداية عام 2024.

ويتوزع الدين العام بين 10.5 مليارات شيقل ديوناً داخلية، و4.8 مليارات شيقل ديوناً خارجية، ما يعكس حجم الأزمة المالية التي تضغط على مؤسسات السلطة.

ورغم إعلان زيادة مخصصات القطاع الصحي بقيمة 247 مليون شيقل مقارنة بالعام الماضي، ورفع موازنة التحويلات الطبية إلى 750 مليون شيقل، إلى جانب زيادة مخصصات برامج اجتماعية ودعم الوقود، فإن الجدل بشأن الإنفاق على مشاريع غير أساسية أعاد ملف إدارة المال العام إلى الواجهة.

ويبرز مختصون اقتصاديون أن الأزمة الحالية للسلطة الفلسطينية مرتبطة بطريقة إدارة الموارد المتاحة، وسط ضغوط عربية ودولية متزايدة لفرض رقابة مالية أوسع على السلطة وربط أي دعم جديد بإصلاحات فعلية داخل مؤسساتها ومكافحة الفساد المنتشر بين قادتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى