تحليلات واراء

خطر الحراك التخريبي يتطابق مع ظاهرة ميليشيات الاحتلال في تهديد حاضر ومستقبل غزة

وسط الجدل المتصاعد بشأن مستقبل قطاع غزة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية، تتزايد التحذيرات الفلسطينية من مخاطر محاولات نشر الفوضى الداخلية عبر مسارات متعددة، تبدأ من دعم ميليشيات الاحتلال ولا تنتهي عند الترويج لحراكات مشبوهة تستهدف ضرب الجبهة الداخلية تحت غطاء الاحتجاج الشعبي.

ويرى مراقبون أن خطر ما يسمى “حراك 26 يونيو”، الذي تروج له شبكة أفيخاي ومنصات إسرائيلية لا يقل خطورة عن ظاهرة الميليشيات التي نشأت في مناطق السيطرة الإسرائيلية، باعتبار أن الهدف في الحالتين واحد: إعادة تشكيل واقع غزة من الداخل بعد فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية وحدها.

ويجمع المراقبون على أن المرحلة الحالية تشهد محاولة استثمار آثار الحرب والدمار والمعاناة الإنسانية الهائلة لدفع المجتمع نحو الانفجار الداخلي، عبر تحويل الغضب المشروع من الظروف القاسية إلى حالة صدام فلسطيني فلسطيني تخدم مشاريع الاحتلال.

فعلى الرغم من حجم الخلافات السياسية الداخلية وتباين المواقف بشأن إدارة القطاع ومستقبله، إلا أن قطاعات واسعة من الفلسطينيين ترى أن هناك خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، يتمثل في رفض أي مشروع يمنح الاحتلال أو الأدوات المرتبطة به فرصة لفرض بدائل أمنية أو اجتماعية على غزة.

ويؤكد المراقبون أن أخطر ما يجمع بين الحراك التخريبي والميليشيات المرتبطة بالاحتلال هو محاولة ضرب فكرة المجتمع المنظم، واستبدالها بحالة فوضى تقوم على التحريض والصدام وانهيار الثقة بين الفلسطينيين.

فالقطاع الذي خرج من حرب مدمرة، ودفع ثمناً إنسانياً غير مسبوق، لا يحتاج إلى معارك داخلية جديدة أو مجموعات تتحرك خارج أي إطار وطني، بل يحتاج إلى حماية النسيج الاجتماعي ومنع الانزلاق إلى سيناريوهات الفلتان الأمني.

الحراك التخريبي في 26 يونيو

يؤكد محللون أن الاحتلال يحاول تعويض فشله في كسر غزة عسكرياً من خلال نقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني، سواء عبر دعم مجموعات مسلحة محلية أو عبر تضخيم دعوات الفوضى التي تستغل الألم والمعاناة لتوجيه الغضب بعيداً عن سبب الأزمة الأساسي وهو الاحتلال والحصار والدمار.

وتمثل الميليشيات التي تنشط تحت حماية الاحتلال كأدوات مرتزقة تهدف إلى تفكيك المجتمع، حيث يغيب القانون وتحل مكانه القوة، وتصبح حياة المواطنين مرتبطة بقرارات أشخاص لا يملكون أي شرعية شعبية.

وبالمثل، فإن أي حراك يستند إلى خطاب التحريض الداخلي بدلاً من المطالبة بإنهاء العدوان ورفع المعاناة عن السكان، قد يتحول إلى أداة لإضعاف الجبهة الداخلية في أكثر المراحل حساسية من تاريخ القطاع.

كما أن أي سلطة أو جهة وطنية مهما بلغ الخلاف معها، تبقى خاضعة للنقاش والضغط الشعبي والحقوقي والإعلامي، ويمكن محاسبتها وانتقاد أدائها، بينما العصابات التي تنمو تحت رعاية الاحتلال أو ضمن أجندته لا تخضع لأي مساءلة ولا تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً.

وتزداد خطورة هذه السيناريوهات في ظل الواقع الإنساني الصعب، حيث يعيش آلاف الفلسطينيين في الخيام وبين الركام، ويبحثون عن أساسيات الحياة، ما يجعل استغلال معاناتهم لإشعال صراعات داخلية تهديداً مضاعفاً لحاضر غزة ومستقبلها.

وقد أثبتت التجارب التاريخية أن أي قوى محلية يصنعها الاحتلال لا تتحول إلى بديل وطني، بل تصبح مصدراً للفوضى والانقسام، وتستخدم لضرب وحدة المجتمع وإعادة تشكيله وفق مصالح خارجية.

وعليه فإن الأولوية الوطنية تتمثل في منع تحويل آثار الحرب إلى بوابة لاختراق المجتمع الفلسطيني، سواء عبر ميليشيات مرتبطة بالاحتلال أو حراكات تخريبية يجري تضخيمها إعلامياً لخدمة أهداف سياسية وأمنية.

وبينما تبقى كل الخلافات الداخلية قابلة للحوار والمعالجة، فإن السماح بتمدد مشاريع الفوضى الداخلية يمثل خطراً يتجاوز اللحظة الراهنة، لأنه يستهدف هوية غزة ومستقبلها وقدرتها على النهوض بعد الحرب.

العصابات العميلة في غزة

توجد في قطاع غزة خمس ميليشيات عميلة للاحتلال، من أشهرها ميليشيا ياسر أبو شباب، الذي قُتل في 4 ديسمبر/كانون الأول الماضي وتسلّم قيادتها من بعده الداعشي غسان الدهيني، وميليشيا في بيت لاهيا شمالاً يقودها الداعشي أشرف المنسي.

وتنشط ميليشيا ثالثة بقيادة الداعشي رامي حلس شرق غزة، بالإضافة إلى ميليشيا الداعشي شوقي أبو نصيرة شرقي دير البلح والمنطقة الوسطى، وميليشيا الداعشي حسام الأسطل في المناطق الشرقية من خان يونس جنوبي القطاع.

وعلى مدار حرب الإبادة على القطاع (بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025)، شكّلت الميليشيات في غزة ذراعاً ميدانية للاحتلال من خلال إعاقة وصول المساعدات وتنفيذ عمليات نهب لها، فضلاً عن أدوار أمنية متعلقة بتفتيش الأنفاق أو ملاحقة المقاومين، وتجاوز ذلك أخيراً إلى تنفيذ عمليات اغتيال.

وسبق أن نفذت الميليشيات في غزة عمليات خاصة تمثلت في اختطاف فلسطينيين، كما حصل مع الطبيب مروان الهمص، مدير عام المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة، وابنته الممرضة تسنيم، التي أُفرج عنها لاحقاً بعدما قامت هذه المجموعات بتسليمهما للاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى