تحليلات واراء

أزمة الوقود في الضفة.. سيناريو متكرر منذ سنوات دون أي حلول من سلطة رام الله

تتجدد أزمة الوقود في الضفة الغربية للمرة الرابعة خلال أكثر من عقد، لتعيد إلى الواجهة هشاشة قطاع الطاقة الفلسطيني واستمرار غياب المعالجات الجذرية من قبل سلطة رم الله، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المالية والاقتصادية، ويواصل المواطنون الاصطفاف أمام محطات الوقود وسط مخاوف من اتساع رقعة الأزمة.

ولا تعد الأزمة الحالية الأولى من نوعها، إذ شهدت الضفة الغربية أزمات مشابهة أعوام 2012 و2015 و2022، كشفت جميعها هشاشة منظومة الوقود الفلسطينية، وغياب مخزون استراتيجي، واستمرار الارتهان الكامل للمورد الإسرائيلي، بما يجعل قطاع الطاقة عرضة للتقلبات السياسية والمالية في كل أزمة جديدة، دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في رام الله في بناء بدائل تقلل من حجم المخاطر.

وقد تحولت أزمة الوقود خلال الأيام الأخيرة من مجرد نقص في الإمدادات إلى أزمة معيشية واقتصادية ألقت بظلالها على حركة النقل والتجارة والقطاعات الإنتاجية، في ظل استمرار الأزمة المالية التي تعيشها السلطة واحتجاز الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من أموال المقاصة، إضافة إلى أزمة السيولة النقدية التي تعصف بالمصارف والأسواق المحلية.

الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

أصدرت وزارة المالية والهيئة العامة للبترول في سلطة رام الله بياناً أكدت فيه استمرار توريد المحروقات إلى السوق المحلية بشكل يومي، مشيرتين إلى وجود تحديات ناجمة عن مخاوف مرتبطة بالتطورات الإقليمية، إلى جانب استمرار العراقيل الإسرائيلية أمام تحويل فائض الشيكل المتراكم في المصارف الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية.

ودعت الجهتان الحكوميتان المواطنين إلى تجنب التهافت على محطات الوقود، والامتناع عن تعبئة الغالونات بغرض التخزين، معتبرتين أن هذا السلوك يفاقم الأزمة ويؤثر في انتظام عمليات التوزيع.

ويرى أمين سر نقابة أصحاب محطات المحروقات في الضفة الغربية، خالد السراحنة، أن جذور الأزمة تعود بالدرجة الأولى إلى الأزمة المالية التي تعانيها السلطة نتيجة استمرار احتجاز أموال المقاصة، والتي تشكل المصدر الأساسي لتمويل مشتريات الوقود عبر وزارة المالية وهيئة البترول.

وأوضح السراحنة أن اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية تبقى عاملاً ثانوياً مقارنة بالأزمة المالية الداخلية، مشيراً إلى أن الشائعات واندفاع المواطنين نحو تخزين الوقود أسهما في تسريع نفاد الكميات المتوفرة داخل المحطات.

وأضاف أن توريد المحروقات لم يتوقف بصورة كاملة حتى في ذروة الحرب، إلا أن انخفاض الكميات دفع عدداً من المحطات إلى تقنين عمليات البيع لضمان وصول الوقود إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين، فيما سمحت بعض المحطات بتعبئة الغالونات في حالات إنسانية استثنائية رغم مخالفة ذلك لتعليمات السلامة.

تقليص كميات الوقود الواردة إلى الضفة

تكشف الأزمة عن حجم الأعباء المالية المتراكمة على هيئة البترول الفلسطينية، إذ تبلغ ديونها للشركات الإسرائيلية الموردة نحو ثلاثة مليارات شيكل، بحسب السراحنة، الذي أوضح أن الشركات تقوم باقتطاع جزء من المدفوعات لسداد الديون السابقة، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص كميات الوقود التي تصل فعلياً إلى السوق الفلسطينية.

وتزامنت الأزمة مع استمرار مشكلة فائض الشيكل في المصارف الفلسطينية، بعد رفض البنوك الإسرائيلية استقبال الكميات المتراكمة من العملة، وهو ما حدّ من قدرة محطات الوقود على إيداع الأموال اللازمة لشراء المحروقات ومواصلة نشاطها بصورة طبيعية.

وأكد أحد أصحاب محطات الوقود، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن عدداً من المحطات اضطر إلى تحويل الشيكل إلى الدولار أو الدينار عبر شركات الصرافة، متحملاً خسائر إضافية ناجمة عن فروقات أسعار الصرف، فيما اضطرت محطات أخرى إلى الإغلاق المؤقت نتيجة عدم قدرتها على توفير السيولة البنكية المطلوبة لاستيراد الوقود.

بروتوكول باريس الاقتصادي ويكيبيديا

ويرى الخبير الاقتصادي واصف أبو عكر أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، والذي ربط سوق المحروقات الفلسطينية بالكامل تقريباً بالمورد الإسرائيلي، وجعل السلطة الفلسطينية عاجزة عن تنويع مصادر الاستيراد أو بناء منظومة مستقلة للطاقة.

وأوضح أن أسعار الوقود في السوق المحلية ترتبط مباشرة بالأسعار الإسرائيلية، قبل إضافة ضريبة “البلو” وضريبة القيمة المضافة وهوامش الأرباح، في حين تستمر إسرائيل في احتجاز جزء من العائدات الضريبية ضمن أموال المقاصة، الأمر الذي يضاعف الضغوط المالية الواقعة على السلطة.

ويخضع قطاع الطاقة الفلسطيني، منذ توقيع بروتوكول باريس، لقيود تمنع إنشاء منظومة مستقلة لاستيراد الوقود أو بناء مخزون استراتيجي، كما لا تستطيع السلطة استيراد المحروقات مباشرة من الأردن أو مصر، فيما تتولى هيئة البترول شراء الوقود من الشركات الإسرائيلية وإعادة توزيعه داخل السوق الفلسطينية.

من جانبه، اعتبر الصحافي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بانخفاض الإمدادات، وإنما أيضاً بضعف إدارة الطلب، موضحاً أن الكميات الواردة إلى الضفة الغربية تراجعت بنحو الثلث مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، بينما أدى اندفاع المواطنين نحو التخزين إلى استنزاف الكميات المتوفرة خلال فترة قصيرة.

وأشار إلى أن فرض سقف للتعبئة ومنع تعبئة الغالونات منذ بداية الأزمة كان من شأنه الحد من تفاقمها، مؤكداً أن غياب الإجراءات الاستباقية ساهم في اتساع الأزمة.

وتعيد الأزمة الحالية طرح تساؤلات متجددة حول أسباب استمرار تكرار أزمات الوقود في الضفة الغربية منذ سنوات، في ظل غياب حلول استراتيجية تقلل من الاعتماد الكامل على المورد الإسرائيلي أو توفر احتياطياً يكفي لمواجهة الطوارئ.

في هذه الأثناء يبقى المواطن الحلقة الأكثر تضرراً مع كل أزمة جديدة، في مشهد يتكرر دون أن تلوح في الأفق مؤشرات على تغيير جذري في إدارة أحد أكثر القطاعات الحيوية ارتباطاً بالحياة اليومية والاقتصاد الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى