تحليلات واراء

سلطة رام الله تتحول إلى جهاز وظيفي أولوية خدمة سياسات الاحتلال

حذر الكاتب والمحلل الأردني ياسر قطيشات من أن سلطة رام الله تواجه أخطر مراحلها منذ تأسيسها، معتبراً أن استمرار السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب عجز السلطة عن مواجهة المتغيرات السياسية والميدانية، يدفعها إلى التحول إلى “جهاز وظيفي يخدم سياسات الاحتلال أكثر مما يخدم الشعب الفلسطيني”، إذا استمر الوضع القائم دون إصلاحات سياسية ووطنية شاملة.

وجاءت رؤية قطيشات في مقال تحليلي تناول فيه التطورات المتسارعة في الضفة الغربية، معتبراً أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة تعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة جديدة تستهدف إنهاء ما تبقى من الالتزامات السياسية التي نشأت بعد اتفاق أوسلو، وفرض وقائع ميدانية وقانونية جديدة تمهد لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

وأشار إلى أن قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلغاء الترتيبات الإدارية المرتبطة بما يعرف بـ”بروتوكول الخليل” لعام 1997 يمثل، من وجهة نظره، خطوة جديدة في مسار التنصل التدريجي من الاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، لافتاً إلى أن الاتفاق كان ينظم آليات الانتشار الأمني في مدينة الخليل، قبل أن تبدأ الحكومة الإسرائيلية في إعادة صياغة الواقع الميداني بما يتوافق مع خططها التوسعية.

وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية صادقت كذلك على إجراءات تتعلق بتسجيل أراضي المنطقة “ج”، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، باعتبارها “أراضي دولة”، إلى جانب توسيع الاستيطان وإقامة بؤر استيطانية جديدة، وهو ما اعتبره الكاتب جزءاً من مشروع متكامل يستهدف تقليص الوجود الفلسطيني على الأرض وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية في الضفة الغربية.

ويرى قطيشات أن هذه السياسات تعكس قراءة إسرائيلية جديدة للواقع الإقليمي بعد الحرب التي اندلعت في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث يعتقد أن حكومة الاحتلال وجدت بيئة سياسية وإقليمية أقل قدرة على التصدي لمشروعات الضم والاستيطان، وهو ما شجعها على تسريع تنفيذ سياسات كانت مطروحة منذ سنوات.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

اعتبر الكاتب الأردني أن السلطة الفلسطينية أصبحت عاجزة عن مواجهة هذه التحولات، سواء على المستوى السياسي أو القانوني أو الشعبي، مشيراً إلى أن التراجع الإسرائيلي عن اتفاق الخليل يعكس في الوقت نفسه حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به الحكومة الإسرائيلية، وحجم الأزمة التي تمر بها مؤسسات السلطة.

وبحسب قطيشات، فإن السلطة التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو عام 1993، وأُعلن عنها رسمياً عام 1994، فقدت تدريجياً كثيراً من عناصر قوتها السياسية منذ وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، نتيجة الانقسام الداخلي وتعطل العملية الديمقراطية وتراجع برامج الإصلاح، الأمر الذي انعكس، وفق رأيه، على مستوى الثقة الشعبية وشرعية المؤسسات الفلسطينية.

ويشير إلى أن السلطة تواجه اليوم أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والمؤسسية، معتبراً أنها لم تتمكن من تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله، والمتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يضعها أمام تحديات وجودية تتعلق بمستقبلها واستمرارها.

ويرى أن استمرار السلطة في أداء وظائفها الحالية، في ظل اتساع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، قد يؤدي إلى تحولها تدريجياً إلى مؤسسة تؤدي أدواراً إدارية وأمنية تخدم الواقع الذي يفرضه الاحتلال، أكثر من مساهمتها في تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، وهو الاستنتاج الذي يشكل محور مقاله.

كما اعتبر الكاتب الأردني أن الحرب على قطاع غزة وما أعقبها من تطورات في الضفة الغربية عمقت هذه الأزمة، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي عزز وجوده العسكري ووسع عملياتها الميدانية، في وقت بقيت فيه السلطة متمسكة بالمسار السياسي واتفاق أوسلو، رغم ما يعتبره إفراغاً متواصلاً لمضمونه من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

ولفت إلى أن استمرار التنسيق الأمني، بالتوازي مع تصاعد عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي، أسهم في زيادة الانتقادات الموجهة إلى السلطة في ظل تراجع قدرتها على حماية الأراضي الفلسطينية أو وقف الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

واعتبر قطيشات أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يصفها بالأكثر تطرفاً في تاريخ دولة الاحتلال، تتبنى بصورة معلنة سياسات تستهدف إنهاء حل الدولتين، وتفكيك مؤسسات السلطة وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق معزولة، بما يفتح المجال أمام تنفيذ مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني.

وفي ختام تحليله، رأى الكاتب الأردني أن مستقبل السلطة بات مرتبطاً بثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل الأول في استمرار الضغوط الإسرائيلية بما قد يقود إلى انهيار مؤسساتها، والثاني في لجوء السلطة إلى حل نفسها وإنهاء الدور الذي نشأت من أجله.

أما السيناريو الثالث، الذي يعتبره الأكثر قابلية للحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، فيقوم على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعية مؤسساته عبر الانتخابات، إلى جانب إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني.

وأكد قطيشات أن مواجهة التحديات الراهنة لا يمكن أن تتم من خلال الإجراءات الإدارية وحدها، وإنما تتطلب إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس سياسية وديمقراطية جديدة، مدعومة بمساندة عربية ودولية، بما يضمن الحفاظ على الحقوق الفلسطينية في مواجهة مشاريع الضم والاستيطان، ويحول دون تآكل ما تبقى من مقومات الدولة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى