أرقام صادمة لتعيينات وترقيات في سلطة رام الله رغم الأزمة المالية

كشف تقرير سنوي أصدره الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” عن أرقام صادمة لتعيينات وترقيات داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية خلال عام 2025، رغم الأزمة المالية الحادة التي تعانيها السلطة، وإعلانها المتكرر تبني سياسات لترشيد النفقات وإعادة هيكلة القطاع العام.
وأطلق ائتلاف “أمان” نتائج تقريره السنوي الثامن عشر حول “واقع النزاهة ومكافحة الفساد في فلسطين لعام 2025” خلال مؤتمر عقد في رام الله وغزة تحت شعار “كل سلطة لا تخضع للمساءلة تقترب خطوة من الفساد”.
واستعرض التقرير جملة من المؤشرات التي تعكس تراجع منظومة الرقابة والشفافية في المؤسسات الفلسطينية الرسمية، محذرا في الوقت نفسه من استمرار تراجع معايير النزاهة والحوكمة واتساع مظاهر تركّز السلطة وضعف المساءلة.
فساد التعيينات والترقيات في سلطة رام الله
أظهر التقرير أن السلطة أجرت خلال عام 2025 ما مجموعه 84 تعييناً و46 ترقية في المناصب العليا المدنية والأمنية، إضافة إلى 41 تعييناً وترقية لسفراء وقناصل، رغم استمرار الحديث الرسمي عن الأزمة المالية وضرورة خفض الإنفاق العام.
وأشار التقرير إلى أن نحو 30% من مجمل الترقيات تركزت في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وحدها، وهو ما اعتبره مؤشراً لافتاً يثير تساؤلات بشأن أولويات الإدارة العامة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها السلطة.
وأكد التقرير أن هذا التوسع في التعيينات والترقيات جاء بالتوازي مع استمرار تقليص الخدمات العامة وتأخر صرف مستحقات الموظفين والأزمة المزمنة في المالية العامة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول مدى التزام السلطة بسياسات التقشف التي أعلنتها خلال الأعوام الماضية.
صلاحيات الرئاسة أساس الفساد
رصد التقرير استمرار تمركز السلطات بيد مؤسسة الرئاسة في ظل غياب المجلس التشريعي، من خلال التوسع في استخدام الصلاحيات التشريعية وإصدار قرارات وقوانين تمس بنية النظام السياسي الفلسطيني، شملت ملفات إعداد الدستور، وانتخابات المجلس الوطني، وتعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية، وقانون الأحزاب، وتعيين نائب للرئيس، دون حوار وطني واسع أو مشاركة مجتمعية كافية.
واعتبر التقرير أن هذا النهج يضعف مبدأ الفصل بين السلطات، ويقلص أدوات الرقابة الديمقراطية، ويثير مخاوف بشأن إعادة تشكيل مراكز صنع القرار بصورة تفتقر إلى الرقابة والتوازن المؤسسي.
كما سجل التقرير استمرار ممارسات اعتبرها مخالفة لمبادئ النزاهة والجدارة، رغم تحسن بعض الإجراءات المتعلقة بتعيين الوكلاء والوكلاء المساعدين، مشيراً إلى نقل عدد من رؤساء المؤسسات العامة وموظفي الفئة العليا إلى فئات خاصة ومنحهم درجة وزير، بما يتجاوز بطاقات الوصف الوظيفي.
ورأى التقرير أن هذه الإجراءات تعكس استمرار سياسة منح الامتيازات على أساس الاعتبارات السياسية والولاءات، بدلاً من اعتماد معايير الكفاءة والاستحقاق والمصلحة العامة في شغل المناصب العليا.
انعدام معايير النزاهة وتكافؤ الفرص
وفي السلك الدبلوماسي، كشف التقرير عن استمرار منح بعض الفصائل حق ترشيح سفراء مقابل القبول بتعيينات أخرى، موضحاً أنه جرى خلال عام 2025 تعيين 40 سفيراً وقنصل واحد، مع استمرار تعيين مقربين وأبناء مسؤولين حاليين وسابقين في مواقع دبلوماسية، بما يثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص واحترام معايير الجدارة.
وفي جانب الحقوق المدنية، أشار التقرير إلى استمرار اشتراط الحصول على الموافقة الأمنية للحصول على عدد من الحقوق والخدمات الأساسية، وهو ما أدى إلى حرمان مواطنين منها، خصوصاً في مجالات إصدار جوازات السفر لمواطني قطاع غزة، والتوظيف في القطاع العام، ومنح الرخص المهنية، معتبراً أن هذه الممارسات تمس بمبدأ المساواة وتقيّد الوصول إلى الحقوق الأساسية.
كما كشف التقرير عن تراجع واضح في مستوى الشفافية داخل المؤسسات العامة، إذ لم تلتزم سوى 10 مؤسسات فقط من أصل 42 مؤسسة بنشر تقاريرها السنوية عبر مواقعها الإلكترونية، فيما استمرت مواقع مؤسسات أخرى معطلة أو غير محدثة منذ سنوات.
ولفت التقرير إلى أن المؤسسات التابعة مباشرة لمؤسسة الرئاسة كانت الأقل التزاماً بالشفافية والأضعف من حيث خضوع مسؤوليها للمساءلة، معتبراً أن ذلك يزيد من فرص انتشار الفساد ويضعف الرقابة على المال العام.
فساد تضارب المصالح
سجل التقرير استمرار ضعف الالتزام بالإفصاح عن تضارب المصالح، داعياً إلى الفصل بين الوظيفة العامة والنشاط التجاري أو إخضاع الجمع بينهما لضوابط صارمة تمنع استغلال المنصب لتحقيق مكاسب خاصة.
كما انتقد التقرير قانون الشركات النافذ، مشيراً إلى أنه لا يلزم الشركات بالإفصاح عن المالك الحقيقي أو تحديث بياناته، بعدما اقتصر النص القانوني على نشر أسماء المفوضين بالتوقيع فقط، دون الكشف عن المستفيد الفعلي من الشركة.
وفي الجانب الرقابي والقضائي، أكد التقرير استمرار التحديات التي تواجه استقلالية الهيئات الرقابية والقضائية نتيجة تبعيتها المؤسسية للسلطة التنفيذية، واحتكار صلاحيات تعيين رؤسائها أو إعفائهم أو تمديد خدمتهم في ظل غياب المجلس التشريعي، وهو ما يحد من قدرتها على مساءلة أصحاب القرار بصورة مستقلة.
وأشار التقرير إلى أنه رغم جهود هيئة مكافحة الفساد في متابعة البلاغات وتحويل القضايا إلى النيابة، فإن استمرار التشاور مع مؤسسة الرئاسة في بعض الملفات المتعلقة بشخصيات نافذة يفتح الباب أمام التدخلات السياسية ويؤثر في استقلالية عمل الهيئة.
ووصف التقرير أداء النيابة العامة خلال عام 2025 بأنه ضعيف، في ظل غياب قانون خاص ينظم عملها واستمرار خضوع التعيينات فيها للسلطة التنفيذية، الأمر الذي انعكس على تعاملها مع ملفات الفساد والقضايا الحساسة.
أحكام قضائية دون تنفيذ
رصد التقرير امتناع الأجهزة الأمنية عن تنفيذ 50 حكماً قضائياً قطعياً، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالإفراج عن موقوفين أو إعادة موظفين إلى وظائفهم، معتبراً أن استمرار عدم تنفيذ الأحكام القضائية يمس بسيادة القانون ويقوض ثقة المواطنين بمنظومة العدالة.
وحذر التقرير من خطورة اللجوء إلى تسويات خارج إطار القانون في قضايا الفساد الكبرى، خصوصاً عندما تكون ممنهجة أو تتعلق بمسؤولين كبار، مؤكداً أن أي معالجة حقيقية تتطلب مساءلة الإدارة العليا عن حالات التغاضي أو التقصير، وعدم إخضاع ملفات الفساد للتشاور السياسي خارج الأطر القانونية.
واختتم ائتلاف “أمان” تقريره بالدعوة إلى إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات، واعتماد سياسة وطنية للإفصاح عن تضارب المصالح، وتعزيز استقلالية الهيئات الرقابية والقضائية، بما يضمن الحد من استغلال النفوذ، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون.





